|
|
براءة ذمة أحمد راشد ثاني
يتألق في لعبة الظاهر والباطن الشعريين
إبراهيم محمود ( باحث من سوريا )
للناظر في ما ألفه وأثاره في مؤلفاته، أن يتلمس هذه المعاناة الملهمة والاستثنائية، والإرادة المتبصرة والقائمة بين جنبيه، وهو يتنقل، كما هو دأب النحلة في حقل فاره ورحب من الزهور، بحثاً عما يمنح الكلمة جلاء المعنى ومبرر الاستمرار .
لقارئ عناوينه أن يعايش صنعة “الراشد” فيه، والفعل “المحمود” في الكتابة، ليكون في عداد “الأول” من جهة هذا النشاط الحميم واللماح، فيما كان ينشغل به، من دون أن يصرفه عن متابعة ما يجري في محيطه الواسع، لا بل، كان ذلك يمثل الحد الطبيعي والمثمر، لعلاقة دقيقة، تكون في موقع شاهد عيان على أن رجل الحياة، كما هو رجل الكلمة، كان مقتدراً في الجمع المضيء والنافذ بين موهبة وأخرى، بين صنعة الأدب فطرية الطابع، وصنعة الكتابة ثقافية العلامة .
يمكن تلمس البعد الارتحالي والمتيقظ في قول الشعر في ما آتاه من إلهام شعري، ونشوة القصيدة وجمالية لقيا الكلمة الشعرية في (دم الشعر1991،)، و(حافة الغرف، 1999)، و(جلوس الصباح على البحر، 2003)، و(يأتي الليل ويأخذني2007،) . . .الخ، وهو جمع في الذهاب والإياب بين حالات وحالات أو حالات تستولد سواها وتُغني حياة شاعرها، بقدر ما تحفّز المعني بها على متابعة هذا المعنى الدفين وما يتألق على السطح في لعبة الظاهر والباطن الشعريين .
أن يستشعر إيقاع حياة من نوع آخر، هو أن يسهم في تجديده، ويثري ضروبه، عندما يلفت نظره المنحى الآخر في الشعر، وهو المعروف بعراقة تاريخه، أعني الشعر العامي، النبطي أو غيره، مما يشاع عن الشعر المختلف إيقاعاً وإبداعاً، كما في (يا الماكل خبيزي ويا الخارف ذهب، ص 1996)، وما في هذا التنويع من رغبة نفاثة في معايشة وجوه الكلمة الشعرية وجماليات رؤاها .
لكن الناظر في صنعة الإماراتي الخورفكاني(نسبة إلى “خورفكان” مسقط رأسه) على صعيد الكتابة الأخرى، لا بد أن يستوقفه هذا الهم المدروس، والمجاهدة في تبصرة الكلمة التي تمثل نوعاً من التوثيق لحياة شعب، لحياة مجتمع، في مجالات شتى، تعني فولكلوره، حيواته التي كانت، وتلك التي وهِبت بقاءً وجمال موقع، والصبر اللازم لمهنة شاقة وشائقة من هذا النوع، لحظة التوقف عند المعتبر “تراثياته” وتحديداً(حصاة البحر، الجزء الأول من السرد الشفاهي2002،)، و(دردميس، الجزء الثاني منه2003،)، و(إلا جمل حمدان في الظل بارك، 2005)، وهي أعمال معَدة، من دون نسيان أن فكرة الإعداد لا تتوقف عند حدود مجرد نقل هذه المعلومة أو سواها، إنما توثيق وشائج القربى في ما بينهما وتأصيلهما، من دون نسيان المثار في مقامات تراثية أخرى له، كما في (أغاني البحر والعشق والنخيل، 1981-1982) .
هذا يستوقفنا عند إبداع آخر، وصنعة أخرى، في السجل الذهبي للراحل أحمد راشد ثاني، أي المسرح، إذ إنه ليس حصيلة موهبة فقط، إنما مكاشفة أدبية وفكرية لهذا الهم الثقافي المركب، ومصادقة أدواره في تعددية الأصوات والمهام المثلى، كما هو حاله في (قفص مدغشقر، 1996)، وغيرها، تعزيزاً لإرادة البحث عن المختلف في الأدب والحياة . ثمة إمكانية الحديث عن وجود ممرات تتفاوت طولاً أو عرضاً، اتساعاً أو ضيقاً، أو لا تكون ثابتة، بين الأنواع الأدبية والفكرية والفنية، تكون ممرات آمنة ضامنة لسلوك الإبداعي، أو تفشل في تحقيق الهدف، تبعاً لإرادة السالك، كون هذه الممرات المسماة تتطلب مقدرة استبصار الفرز والتمايز، بقدر ما تترجم الشخصية الثقافية سلوكاً وجمالية تذوق للكلمة المتداولة في نصه، وما في ذلك من دراية بحقيقة العمل الخاص هنا، واستحقاقه التقدير اللازم، في عمق اثر المشترك، لما ينتسب إليه اسماً ومسمىً، في منهله الحياتي، كما هو حال الراحل الباقي بأثره الطيب: أحمد راشد ثاني .
نعم، يشعر المتابع للمسيرة الحياتية والشعرية لهذا الذي وهِب حياة بين طفلين أخوين له ماتا(قبله طفل، وبعده طفل)، بوجود مفارقة حياتية، كما أنها لعبة أقدار لا يمكن اكتناه لغزها أو سرها قطعياً، لكن، ربما، يمكن مقاربة هذا المسعى الحثيث والظافر في الكتابة متعددة الاتجاهات والموضوعات، كما لو أن الراحل في قرارة لاشعوره، كان على بيّنة تامة، أن العمر الممنوح له، يستغفل فيه وفاة في أفق انتظار، وأن شعوراً ما، بوجود ما يحثه على الكتابة ومعايشتها طويلاً، تأكيداً على المهلة المحدودة المعطاة له(وهي خمسون عاماً)، من دون حساب الزمن الذي استثمره في بناء جسده ليكون أهلاً للكتابة، وهو شعور يستحق المتابعة النفسية والتاريخية من ذوي الاختصاص، لمقاربة طبيعة هذا الحراك الأدبي والثقافي لديه، ولو بنوع من التشخيص، وإمعان النظر في القدرات الذاتية الخاصة التي تحيل أشخاصاً معينين إلى منذورين للكتابة، وإلى مسكونين بحُمى البحث عن المختلف، كما لو أن الذي يقيم فيهم مجتمع كامل، وليس من تم فقدهم من الأهل والأصحاب، وأن المزيد من العطاء كان يتفعل باطراد في المزيد من توسيع دائرة العطاء من دون توقف أو التقاط الأنفاس، تعزيزاً لفكرة تستحق الدرس، بصدد ذوي الأعمار القصيرة، لكنها المستنيرة، وكأن العمق الشاقولي عوض المدد المحدود في الامتداد الأفقي الحياة القصيرة التي عاشها نسبياً)، وذلك التفاعل بين الحياة الشخصية والحياة الأدبية والفكرية .
ذلك ما يمكن الشعور به لدى القائل:
يسألني عن دوافِعِ الموجِ
/ وأخبرُهُ عن حذاءِ البحرِ
/ يسألني عن أسباب السماءِ/
وأخبرُه عن قبعةِ القَمرِ . . .
ذلك ما يمكن معاينته بألم متبصر في :
يصفونَ لي الصحراءَ /
وينسونَ حبةَ رمل/
في موجةٍ مازالت تركضُ /
على البحرِ /
يصفونَ خطواتي الكثيرة /
على شاطئ البحر . .
إنه الشعور الإضافي بقلق شاعر عاش تحولات الحرف ومهام المعنى في كل موقف حياتي، أو موضوع كان يسهل عليه التعامل معه، باعتباره صالحاً للمعالجة في نص مسرحي، أو لتقصي حقيقة حياة فولكلورية، لأشخاص أو فئات، أو ليكون في ذلك طابع المؤثّر في القول الشعري، كما هو المدرَك في أعماله الشعرية، أو في الصيرورة المشتركة بين نوع وآخر، مجالاً آخر يستوقف المرء للنظر في هذا الجمع المتواصل والفاصل بين كائناته وموضوعاته، والمنحى التمثيلي في ذات تناور على موتها كما تجعل ألأمها في حالة الغفل من الاسم، كرمى هذا المنبثَق الكتابي من بين أنامله أو من روحه، إنه الانبثاق الذي ينظَر فيه مرفَقاً بقيمة اعتبارية تاريخية واجتماعية وثقافية، كما هي شهادة الذين تحدثوا عنه كذلك . إن الشعور بنوع من عبثية الحياة، قد يعيننا في مقاربة سيرة هذا الراحل الكبير، العبثية التي تأتلق كما أنها تصفى من كل عدمية طارئة، تعزيزاً لفكرة الحياة التي تعاش، خلاف الذين يستحضرون “اللامنتمي الاجتماعي”، إذ إن العبثية التي تثار هنا، تصلنا بينبوع الحياة، والرحلة القصيرة في الحياة، ونفاد فعل الرغبة في البقاء لزمن أطول، لأن الأمل محيطي بما لا يقاس، وكأن الذين لا يكفون عن العمل ليل نهار، ويكون عطاؤهم مجتمعياً بامتياز، يواجهوننا بهذه الحقيقة الصادمة، ووفق ما تقدم، أعتقد أن الراحل يستحق براءة ذمة بامتياز، جراء المنجَز أو المحقق باسمه أدبياً وثقافياً وفنياً .