مدارات "الماكل خنيزي"
يوسف أبولوز
* دار الخليج / الملحق الثقافي
الاثنين 20/2/،2012 عند الظهيرة تماماً، تنفتح شبكة من الاتصالات بين أصدقاء الشاعر أحمد راشد ثاني . الأصوات تأتي مضطربة وحذرة وتتشابك مع سؤالين فوريين، هل الخبر صحيح؟ وكيف نتأكد؟ صحيح أن أحمد كان مريضاً، ولكنه أطل على مرضه من فوق . استحم في البحر وجلس فيه بعد خروجه من المستشفى ولو بالمجاز الشعري، وانتهى الأمر، انتهى المرض .
“الرقم الذي طلبته مغلق أو خارج الخدمة” . لا صوت يأتي من هذا الجهاز اللعين لينفي رحيل أحمد راشد ثاني . صمت بارد وحسب، شبكة اتصالات بين الشعراء، الشعراء على وجه التحديد . كأن الذعر دبّ في قلوبهم . أصوات مرتبكة ومتحشرجة . أحمد راشد ثاني في ذمة الله، التحق بالرفيق الأعلى، البعض قال في سرّه: سننتظر حتى الصباح، فقد يصحو الشاعر من غيبوبة عابرة، لكن الهاتف مغلق، والكلام أيضاً مغلق، تلك هي حقيقة الموت، الحقيقة التي حاربها أحمد بالحياة . بشعره المتدفق بالحياة .
في اليوم التالي، ليلاً، بعد العشاء يُحْمل الشاعر إلى مثواه الأخير، في مقبرة في خورفكان حولها أشجار نخيل، وفي الأعالي رؤوس جبال، وتحت رؤوس الجبال بحر هادئ كتب على وزنه أحمد شعره الصاخب .
رحل أحمد راشد ثاني من دون أن يتقدم في العمر . خشي على نفسه أن يموت مترهلاً أو في أرذل العمر . رحل وكفى، في خزانة ثيابه قمصان وكندورة لم يرتدها يوم الثلاثاء، اليوم التالي على حياته في الموت، تركت نظارته في مكان ما، أقلامه وأوراقه ودفاتره الصغيرة تركت هي الأخرى في مكان ما، ثيابه متواضعة وهيئته أيضاً متواضعة، لكن شعره ينطوي على الكثير من الغرور، الغرور الذي لا يؤذي أحداً . الغرور الذي هو جزء من كينونة الشعر، منذ هوميروس، وحتى القصيدة الأخيرة التي أكملها أو التي لم يكملها أحمد راشد ثاني .
شاعر يشبه النار .
اللهب الأحمر الذي يخرج من الموقد، موقده، حوّله إلى لهب أخضر، لقد دجّن النار أو دجّن الكتابة، فهو لم يكن يعنيه أي شيء سوى الكتابة، مسراته قليلة وعابرة، ولكنها عميقة .
يرتدي كيفما يتفق .
يأكل لكي يسد رمقه، هذا “الماكل خنيزي والخارف ذهب”، كأن النخلة شقيقة والدته، خالته التي ارضعته، ثم ألهمته حرارة الشعر .
شاعر مصاب بالحمى، حمّى الشعر التي جعلته يتصبب شعراً وفوق طاولة الكتابة كان سرب من عرق الشعر يشير إلى وجهه الأسمر الصغير المغطى بهالة من الطفولة:
“يُمّه جيبك
يمه جيبك ما يغرّك
يمه شو إيسوي اللّي جيبه إنترس
والقلب خالي”
شاعر قلبه مملوء بالشعر، ولذلك كان يشعر بشيء من الثقل في صدره الأيسر، عند القلب تماماً، القلب “المتروس” بالشعر والمرح والضحك والحكايات والسخرية والكتابة، الكتابة حتى لو على عجل، الكتابة حتى بلا بلاغة وبلا سلطة الفاعل وضعف المفعول به، كتابة بلا ناصب ولا نصب ولا منصوب، كتابة بضمير متكلم تماماً، هو الذي قليلاً ما كتب بضمير الغائب .
حاضر في الحياة، كما هو حاضر في الكتابة، يقظ، متحفز، سريع البديهة خصوصاً عندما يسخر، عندما يسخر من الانتهازي والمتسلّق، أشد سخرية كانت تخرج منه، كانت تخرج صوب المثقف الكذاب والمدّعي والطفيلي، كان يعرف الرجال من وجوههم ومن كلامهم ومن ثيابهم أيضاً، من تلك القشرة البيضاء اللامعة والملساء التي ينزلق عليها الكذب كأنه حبة زئبق يركلها بنعاله ويمضي .
(2)
مضى إلى شأنه، سريعاً، بلا ترهل ولا مبالغة في الحياة، تاركاً خلفه حرية الرثاء وحتى حرية الهجاء، كما حرية المديح إلى آخرها، ولكنه لا يسمع كل ذلك، تلك مرة ثانية حقيقة الموت، لذلك بدأ يكتب مبكراً .
أرشيفه الصوتي والصوري والفوتوغرافي “أجمل ما فيه ذلك الذي بقي بالأبيض والأسود” يشير إلى فتى أسمر نحيل يخرج من خورفكان إلى تلك الأماكن التي بعد الشمس، فقد كان يظن في طفولته، كما أتخيل، أن العالم ينتهي بعد غروب الشمس خلف جبال خورفكان، ولكنه قبل ذلك مسكون بالفضول، فضوله الفطري دفعه إلى الفرار من هيمنة الجبل وطبيعته المغلقة .
مبكراً بدأ أحمد راشد الكتابة، مجموعته “سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمه التي لا تعرفه”، ثم مجموعته الحارة والمؤثرة “يا الماكل خنيزي يا الخارف ذهب”، كتبهما وهو لم يتصل بالعشرين من عمره، قصائد من مجموعة “الخنيزي” كتبها وهو في أوروبا الشرقية كما هو مثبت آخر إحدى القصائد، كيف لشاب مراهق يمتلئ بكل هذا الحنين إلى اللهجة الشعبية الإماراتية وهو في بلاد الرفاهية و”شم الهواء”، هواؤه كله في خورفكان، هواء بأجنحة واسعة في مجموعة “الخنيزي”، إن شروحاتها هي معجم غني باللهجة الشعبية الإماراتية، ومن يريد أن يعرف روح اللهجة الإماراتية المحلية، ويريد أن يعرف ايقاع هذه اللهجة ومذاقها وحتى رائحتها فليعد إلى قراءة “الخنيزي”، النص الشاب، النص المملوء بالدم الشاب، والقوة القلبية الشابة .
الجبال لا تراهق، ولا مراهقة للبحر، والأشجار أكثر ذكاءً من أن تخرج على طورها، لكن أحمد راشد ثاني هذ المحرض والنبيل في تحريضه الفطري هيّج كلام الجبل، وشد البحر في خورفكان من شعره الأزرق، وقال للشجرة كوني أمي، من أجل أن يكتب، وكان له ذلك .
كتب مبكراً بوعي عميق مرة أخرى، لذلك ليس من المستغرب أن يلتقطه محمد الماغوط على الصفحات الرئيسة للكتابة الإبداعية في الملحق الثقافي لجريدة “الخليج” في العام 1982 أي قبل نحو ثلاثين عاماً هو الذي كان آنذاك في العشرين من عمره بنحوله وبتلك الكندورة البيضاء والعقال المائل على الرأس والوجه “الصبوحي”، كان يحب أغنية سمعها منه كاتب هذه السطور: “يا حيّا الله يابو الوجه الصبوحي . .”، صبوحي في شعره، صبوحي في نثره، طوّع مراهقته إلى عقل شعري مبكر، عقل أشبه بالماكنة، التي ظلت تشتغل أربعين عاماً من أصل خمسين عاماً، ويبدو أنه اكتفى، ولكن، من أين لروح وثابة قافزة إلى الضوء مثل روح أحمد راشد ثاني أن تكتفي؟
التقطه أنسي الحاج، الملاك الصامت دائماً في كهف قصيدة النثر . حيّاه أنسي الحاج، وقال له: صباح الخير بهدوء، بخفة القط، وجه شاعر يشبه وجه القط الذي يعرف ماذا يدور في رأس الشجرة أو في رأس المرأة .
كتب مبكراً، لينتهي من مهمة “الخارف ذهب”، هو الذي لم يتعب أبداً من جمع عسل النخلة وذهبها البرونزي الحلو، كتب مبكراً، لأنه نام تحت نخلة، واستغرق في النوم، وعندما صحا تحت تاج النوم شعر بحرارة في أصابعه لكثرة ما كتب .
(3)
خورفكان وشم على الكتابة .
تلفت أحمد راشد ثاني حواليه، أهله وربعه وناسه بحارة ومزارعون وعمال، مجموع بشر يصلحون للشعر أيضاً، ليس بالضرورة أن يكتب هؤلاء الشعر، ولكن من المهم أن يستمعوا إلى ذلك الماء المتساقط من اللغة، خاصة تلك اللغة التي اكتسبها الشاعر من رائحة العطر الغامض الذي ينبعث من الأشجار والحياة والحجارة .
أحمد راشد ثاني ابن بيئة بامتياز، ابن الصوت الأمومي الذي غمره بالحنان، هذا الحنان القاسي الذي حوّله إلى شاعر يقسو، أيضاً، على نفسه:
“قوم يَحْمَدْ
قوم باكحل عيونك
باللي ما كحلت به حدّ
قوم
باغني لك للماقَطْ غنيته
غناتي انت
كبدي
يوم تتلف
منّي الكبد”
هذا الصوت الإماراتي المحلي بامتياز، الحنوني بامتياز، الأمومي بامتياز، لم يدفع أحمد راشد إلى الانغلاق على نفسه و”التلف” في اللغة إن جازت العبارة، فهو ضد التلف والفقد والخسران، ضد القبح والحزن، أحمد راشد ثاني لا يعرف الحزن ولا يعرف طبيعة الحلزون الملموم على نفسه بقفل من الصدف الأبيض، بل إن لغته الشعبية المحلية التي بدأ بها وهو في الصف الثاني الإعدادي، هي ذاتها اللغة التي حملته بهدوء وبساطة إلى قصيدة النثر .
له قصيدة يقول فيها “صارت تطاردك الكلاب”، وهي قد تكون القصيدة الوحيدة له على البحر الكامل “متفاعلن متفاعلن”، لكن أحمد فرّ بسرعة من قصيدة التفعيلة وذهب إلى قصيدة النثر، وكأن اللهجة الشعبية الإماراتية الحرة والحيوية في مجموعته “الخنيزي” هي التي فتحت له باب كتابة قصيدة النثر، وهي مفارقة لا يستوعبها النقاد على وجه التحديد بسهولة، إذ كيف لشاعر شاب تكوينه الأولي شعبي تماماً وتفعيلي تماماً، أن يقفز بسرعة إلى قصيدة النثر الحرة والمتمردة والتي لا تطيق أية قواعد كلاسيكية أو أي ثقافة شعبية .
ولكن من قال إن الثقافة الشعبية في كل مكان في العالم لا تنطوي على نثر الحداثة وحداثة النثر بحيث تتفوق هذه الثقافة على كل قواعد كلاسيكية صارمة؟
في قلب القصيدة الشعبية، وفي قلب القصيدة النبطية، وفي قلب الكلام “العاري” الذي تنطق به الجدات القديمات، هناك قصيدة نثر، وقصيدة حداثة .
لذلك لا يبدو انتقال أحمد راشد ثاني من الشعر الشعبي إلى قصيدة النثر انتقالاً بهلوانياً أو استعلائياً على محليته وعلى ذاكرته، وإنما التربية الثقافية التي صهرت هذا الشاعر هي التي جعلته عميق الصدق مع ذاته أولاً، قبل أن يعلن هذا الصدق في شعره وفي كتاباته التي تجري في مسار واحد، هو مسار كينونة أحمد الثابتة في المكان مكانه وفي البيئة، بيئته، ثم الكينونة الثقافية ذاتها المتصلة بالعالم وبالحياة وبالوجود بكل مفرداته التي تحيل إلى الهوية وإلى الثقافة والفكر .
(4)
من النقطة السابقة يمكننا فهم أحمد راشد ثاني باحثاً في الثقافة الشعبية الإماراتية، ليس باحثاً بالمعنى التقليدي الجاف، وإنما كان يذهب إلى المكان الإماراتي، مكانه وشخصيته وهويته وكينونته بعشق مذهل حقاً، إنه يكتشف ذاته في هذه الثقافة، ويكتشف أنه مطالب بالحفاظ عليها، ولكنه في النهاية فرد، مجرد شاعر مكنته الظروف من أن يسافر في تراث بلاده، وهنا، لم ينس أحمد راشد في حياته ولا أي مثقف إماراتي وعربي كان له أن ينسى تلك الظروف التي وفرها الشاعر محمد أحمد السويدي عندما كان يدير المجمع الثقافي في أبوظبي، فقد وفر بيئة بحثية للشاعر الراحل هي في مستوى التفرغ الكامل للعمل، وإن هذه المبادرة من الشاعر محمد أحمد السويدي تعني تقديراً للطاقة البحثية عند أحمد، هذه الطاقة التي انتجت العديد من الكتب المهمة جداً في حقل ثقافة المكان الإماراتي واشاراته ومفرداته الاجتماعية والجمالية والتاريخية .
إن جهد أحمد راشد ثاني في حقل ملاحقة تدوين الشفاهي الإماراتي وكنزه وبلورته في كتب، وهو المشغول بالحداثة الشعرية وقصيدة النثر على وجه التحديد، يشير إلى طاقة غير عادية عند هذا الشاعر الذي كان يتصرف مع ذاته ومع قناعاته من قاعدة الثقة بالنفس والصدق والمحبة للحياة أولاً وأخيراً، لأن من ينشغل بثقافة المكان لابد أن يكون ابن المكان، وقبل ذلك ابن الحياة .
(5)
لا ينسى الوسط الثقافي الإماراتي والعربي الوجه الثالث لأحمد راشد ثاني بعد وجه الشعر ووجه البحث الثقافي الشعبي، فهو، مبكراً، أيضاً كتب عدداً من الأعمال المسرحية باللهجة المحلية، لكن، مرة ثانية بروح شعرية، روح النثر الذي تفوق به في خريطة كتابته كلها، تلك الخريطة التي وضع لها منذ البداية طريقاً واحدة تؤدي إلى قناعاته وإلى صدقه .
لقد استخدمت كلمة الصدق في أكثر من مكان في هذه المادة “الاعتذارية” إلى أحمد، ذلك أنه لم يكن يصدر في أي كتابة أو في أي موقف ثقافي إلا عن صدق ذاته، صدقه الداخلي، صدقه الذي يشبه صدق الجبال في صمتها الأبدي على أسرارها الدفينة، تلك الأسرار الغامضة التي ألمح إليها أحمد راشد ثاني في مقالته الأخيرة في الملحق الثقافي للزميلة الاتحاد تحت عنوان يحمل الكثير من المفارقة “قفص الأمواج”، أما الاعتذارية فمبعثها أن الكتابة عن أحمد أو في أحمد بهذا الاسترسال كان يجب أن تكون في مرمى عينيه وهو يقرأ ما يكتب عنه، فيحمل الهاتف الجوّال ويتصل بمن يكتب مبدياً نوعاً من الحياء من المديح هو الذي كان يحب الهجاء، هجاء الآسن، وهجاء الراكد والمتكلّس .
أحمد راشد ثاني مسرحي فطري، بحار متقاعد أمضى حياته في قارب خشبي صغير، قصاص أثر وهو يركض من رواية شفوية إلى أخرى لكي يقبض على ذاكرة أهله وذاكرة أهل ديرته، ناثر من طراز رفيع، ينثر الماء على الماء، ينثر الماء على الرمل، أحمد ورشة كتابة متحركة، سبيله إلى ذلك ورق وأقلام، يكتب بغزارة، يشطب ويؤكد الشطب كي لا تظهر الكلمة التي لا يحبها قلبه، ثم يسترسل بخط واضح أميل إلى الرسم على الورقة البيضاء .
الكتابة تشكل له نوعاً من اشباع، هو أيضاً، ورشة قراءة، لا يشبع من القراءة، يتذوق ما يقرؤه ويقيم علاقة وجدانية حسية مع النص الذي يقرؤه، ثم ينصح من يحب بقراءته، دائماً معه كتاب وقلم وورقة والقليل من الكلام إلا إذا تقدم به الليل .
أحمد يحب النهار .
يحب الجلوس في حرم البحر . ليله ونهاره قراءة وكتابة، وإذا تعذرتا فشيء من الضحك من أجل النسيان، من أجل الجسد الذي كان يخونه بصمت، جسده الذي حمله على الكتابة وحمله إلى الغياب .
زرع شجرة من الأصدقاء .
في الإمارات، في الأردن، لبنان، العراق، سوريا، مصر، تونس، المغرب، عُمان، السعودية له قربى وأقارب .
سريره في حضوره مملوء بشاعر
سريره في غيابه مملوء بشاعر .
ترك وصية بسيطة مثل بساطة حياته التي مرت بسرعة، قال:
“أنا قلبي قلب كّله
والأهلّة
أنا قلبي قلب وحده
وعيدي
إن عيدت
وحده”
أحمد راشد ثاني ليس وحده، ها هو يكتب وصايا أخرى ويعلّقها على لوح من ذهب .