النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: دم الشمعة حين يجف - محمد العامري

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    دم الشمعة حين يجف - محمد العامري

     

    دم الشمعة حين يجف

    محمد العامري

    * الدستور الأردنية






    لماذا حين نفقد صديقا نصاب بدهشة الغياب ونستغرب سرعة رحيله، أعتقد أن الحياة أكثر إغراء وضنكا من موت بعيد يأخذنا إلى الغامض الغامق، ماض لا يشبه إلا سيرة ليل أكلته الريح كما لو أننا أمام مرآة غبراء لا يمكن لنا أن نشاهد ملامح غيابنا فيها، لذلك تسيل أقلام الأصدقاء والأحبة لتكتب غيابنا.

    ما يصدمني في كل غياب نفس التساؤل كيف ولماذا وأين؟ كما لو أن خبر الموت جغرافيا كاملة من الأسئلة في حينها يهجم الماضي الشخصي عليك للغائب، نحاول أن نستدرج الذكريات بوصفه غير عائد قط ونكون أحرارا من رقابة الغائب نفسه.

    احمد راشد أحد الغياب الذين يحاصرونك بحضورهم الجم، كذلك هو من يهجم على ذاكرتك بشراسة كائن بري، شراسة تدعوك للبكاء من شدة وجوده في كيانك وتفاصيل ذاكرتك.

    لوًح لنا بذراع كسول، يؤشر بغيابه إلى غيابنا، نعم لقد تورط بصداقته عبر أخي علي حين هبط علينا قاصدا الاغوار الشمالية تحديدا قريتي القليعات في العام 1994، كان بسرعة هائلة جزءا من العائلة لم نشعر ولو لحظة بأنه غريب علينا، يتحرك بحرية شاعر ويتساءل كما لو انه واحد من إخواني، كان ربيعا غرائبيا حين هبطنا إلى البيارة، كانت الرحلة أسئلة خضراء، أسئلة صادمة حول ما نشاهده في الضفة الغربية من النهر فحين أخبرته بأنها فلسطين لم يصدق لتغرورق عيناه بماء النهر والصمت معا وقال كلمة واحدة: (ياااااااااااااه هذه إذن فلسطين التي خانها العرب).

    نعم كنا معا على مرمى حجر من بيسان وطبريا.

    غادرنا احمد بخفة طير ورشاقة حصان.

    كان وجوده في ملتقى قصيدة النثر الذي نظمه غاليري الفينيق آنذاك لافتا بشعر صدوق، قصائد بلا مكياج حين قرأ من ديوانه (دم الشمعة). فقد علقت قصائده في أذهاننا وتسللت إلى مناخات لا تشبه إلا الشعر، الغريب بأحمد حين تغادره يبقى معك وحين تلتقيه بعد غياب لا تشعر ولو للحظة بأن الغياب كان غيابا، يمحو الزمن بلحظة خاطفة.

    هذا الشاعر الذي كان يملأ الدنيا أسئلة وفوضى يغادرنا إلى قبر محاط بالرمل الساخن كسخونة قلبه المرهف.

    ما الذي أصاب الروح من حزن أغزر من شلال يهدر بالفضة، لماذا نرى رحيل الشاعر أشبه بثقل رحيل فراشة، رحيل أشرس من قصيدة بليغة.

    لقد عرفت احمد راشد بقوة فهمه للأشياء محدقا دوما بتفاصيل البحر ومناخاته العفوية، عاشق لصحرائه ومتذوق لملوحة بحره، كان دوما يتحدث عن خورفكان حتى ذهبت إلى ذلك المكان وعرفت السبب حيث التقاء البحر بالجبل وتكاثر الفاكهة الاستوائية على الطرقات وانفتاح الحدود مع سلطنة عمان، بدءا من (مسجد البدية)

    لقد غادرنا وترك مساحة طازجة من الحزن، ترك الطرقات التي شقها في اختلافه الشعري في الإمارات وترك بعضا من ضحكاته على كنبات حانات دبي.

    من عرفه لا يمكن إلا أن يذكر هذا الكائن الذي يشبه ذئبا هادئا يصدمك برأيه وبانسلاله من حالات لا تشبه إلا القصيدة.

    كائن يغريك بما يختار لقراءاته، أذكر أننا عثرنا على نسخة من الكاموسترا في سوق الحرامية قبل أكثر من عشرين عاما، يومها تعرفت على هذا النص الهندي المذهل، فمُجالسته تورطك بمداد لا ينضب حيث يكون الوداع أصعب من طلقة في الرأس، لقد كان نهما في اطلاعه على الشفاهي في الحياة الامارتية وهو الباحث عن كتب يكاد لا يعرفها احد، كتب العامية والفصيحة وهو من استهواه توثيق الحياة الشعبية وكتب المسرح، يتحرك في الحياة كما لو انه لا يريد أن يغادرها قط.

    لقد عاش الطفل الذي ولد في 1963 في كنف الطبيعة، طبيعة فيها من عذوبة القسوة ما تنتج شاعرا مثل احمد، عمل راعياً، يسرح الأغنام باحثا عن عشب القصائد، لكنه كان دائما يحلم أن يكون بحارا مغامرا في جسد البحر تماما كما كان والده، وعمل في صباه معاوناً للصيادين، وبائعا للسمك، لقد انطحن راشد ثاني في حياة مرة وعذبة في آن فهل حين كتب احمد راشد (ورقة السرير) وهو كتاب عن سيرته الذاتية، هل كان يعرف موعد رحيله، فمتى يكتب الشاعر سيرته، هل يكتبها حين تخونه القصيدة أم حين يرى برزخه في الغامض البعيد.

    وكأنه عرف حين قال في قصيدته (كان يكفي الباب):

    أدلُّهم على طريق لم أَدخُلْهُ

    كان يكفي البابُ

    ولم أطرقْ أبداً إلا كَيْ أهربَ

    وكأن هذا البيتَ قبرِي.

    نعم كان يطرق باب الحياة كي يهرب إلى حياة اخرى اختارتها روح الشاعر المختلف عن كياناته الاجتماعية.

    يواصل ألمه في قول الألم والمكوث فيه كبوذي وحيد يتأمل كونه، نحسه في قوله المؤلم:

    (خذني إلى حيثُ دَخَلْتَ

    لأطرقَ البابَ وأدخلَ القبرَ وأنسَى)

    نعم كان يكفي الباب يا احمد كي نهرب إلى الغامض في وضوحه، نهرب من واقع أكثر قسوة من الغياب، نغادر أرائك مكثت في النفاق ونترك خلفنا أسئلة لأهل السؤال.

    كنت أتمنى أن تنعيني أنت ولا أنعيك، لكن الغياب كان أسرع إلى بابك منه إلى نوافذي ..

  2. #2
    مشرفة نبض الوطن الصورة الرمزية نبض انسان
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2011
    الدولة
    فوق البيــــــت
    المشاركات
    36,428
    معدل تقييم المستوى
    1553

    رد: دم الشمعة حين يجف - محمد العامري

    تسلمين اختي
    [flash=http://download.mrkzy.com/e/1912_md_13374412136.swf]WIDTH=400HEIGHT=350[/flash]


  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: دم الشمعة حين يجف - محمد العامري

    شاكرة ارتشافاتك لمقال محمد العامري،
    دمت بذات الرونق،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •