|
|
عرض "زهايمر" يقرأ واقع الشباب العربي
مرايا الذاكرة تفتح الباب أمام محاكمة الماضي
بحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة انطلقت مساء أمس الأول فعاليات الدورة 22 لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، حيث قدمت فرقة المسرح الوطني التونسي عرض “زهايمر” تأليف وإخراج مريم بو سالمي، وأدء كل من صلاح مصدق، وقابيل السياري، و”زهايمر” هو العرض المستضاف في المهرجان، حيث حصل في مهرجان المسرح العربي الذي نظم في الأردن في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي على جائزة أفضل عرض .
يتناول “زهايمر” العلاقة الإشكالية بين أب وابنه، أو ما يمكن أن نسميها العلاقة الإشكالية بين جيلين، ليس ضمن دائرة صراع الأجيال وحسب، وإنما ضمن دائرة أوسع تمتد من الفردي إلى التاريخي، وهو ما يجعل من العمل شكلاً من أشكال القراءة لواقع جيل الشباب العربي، وما يواجهه من تحديات، كما يمثل العرض من خلال شخصية الأب مدخلاً إلى قراءة التاريخ العربي المعاصر في ظل ما يسمى بالدولة الوطنية، وما أفرزته من شعارات ومقولات تتداخل مع بعضها بعضاً، ويتماهى فيها الحقيقي مع الوهمي .
الأب المريض بالزهايمر هو رجل قانون، بينما الابن هو خريج جامعي عاطل عن العمل ويكتب الشعر، ونعرف من سياق العمل أن العلاقة بين الأب وزوجته انتهت منذ زمن طويل، وأن ابنتهما توفيت، وليس هناك أحد في البيت سوى الابن الذي أصبح بحكم ظروف العائلة المسؤول الوحيد عن الأب المريض، وهذا المريض بداء النسيان لا تخونه الذاكرة دائماً، فنراه يستحضر بعضاً من سيرة الماضي، ويعلق عليها ويطرح أفكاره وآراءه التي تمثل جيلاً بأكمله كان مقتنعاً بأنه يفعل ما هو صواب .
الابن يعبر عن استيائه من حالة الأب، ومن قدره الذي حدد مصيره كخادم لوالده، يقوم بأعمال التمريض له، ويستمع إلى السير المتداخلة وغير المفهومة أحيانا من قبل الأب، وتدور الكثير من الحوارات بين الاثنين التي توضح موقف الابن تجاه والده، وخاصة عدم اهتمامه به في مراحل سابقة، وعدم تشجيعه له، بينما يأتي دفاع الأب عن نفسه في إطار تقليدي محض، فنراه يتعلل بأنه فعل أفضل ما كان بإمكانه، ويتهم الابن بأنه لا يعرف أين تكمن مصلحته، وبأنه يتعلق بكتابة الشعر في الوقت الذي أصبح الكثير من الشباب تجاراً أو أصحاب أعمال .
في “زهايمر” يحضر الواقع التونسي، ومن ورائه الواقع العربي، فنجد الابن يقول: “إن المشروع الوحيد الممكن أمام الشباب هو مشروع العطالة”، ويشير إلى عدم ربط التعليم بآليات التنمية، وسيطرة جيل معين على مفاصل الحياة من دون الاهتمام بالأجيال الأخرى، وكل تلك الإشارات تأتي في سياق مصير واحد يعيشه الأب والابن، فلا الأب الذي انتهى به الحال إلى الزهايمر قادر على الاستغناء عن خدمات ابنه، وفي الوقت نفسه فإن الابن غير قادر عن التخلي عن مهامه وواجباته تجاه الأب، وهكذا فإن كل منهما سجّان للآخر، وهو ما نجده من خلال تعابير متعددة، خاصة عندما يربط الابن قدم والده النائم بقدمه هو، حتى لا يغادر الأب في واحدة من حالات نسيانه المكان .
لكن العرض لا يخلو من لحظات تعاطف من قبل الأب والابن تجاه بعضهما بعضاً، لحظات تظهر فيها مشاعر التفهم لطبيعة مأساتهما المشتركة، فالذاكرة المملوءة بتاريخ مشوه عليها أن تمر بلحظات نسيان وصولاً إلى نوع من المصالحة، مصالحة الحاضر مع الماضي .
من جهة أخرى، فقد بدا أن الإخراج ذهب باتجاه تجريد الصالة من الديكور، والاعتماد على الفضاء المفتوح، وعلى الإضاءة التي تحدد رقعة الفعل المسرحي، تلك الرقعة التي تضيق وتتسع تبعاً لمنطق الحوار بين الشخصيتين، وما يحمله من دلالات وإشارات .
كما بدا أن التزام الأداء بالواقعية وعدم المبالغة قد منح العرض قدراً كبيراً من التوزان، ومنح الجمهور في الوقت ذاته القدرة على التشبع بدلالات العرض، والتواصل مع مأساة الرجلين، والذهاب معهما إلى مناطق نفسية عميقة، وهو ما يبرر للعرض بعض الإطالة، حيث وصلت مدة العرض إلى ما يقارب الساعة والنصف .
كما يمكن القول إن “زهايمر” هو من العروض التي لا تستنفدها قراءة واحدة، فعلى الرغم من وضوح الحكاية إلا أن مستوياتها ليست بسيطة، وكذلك هي الحالة الإخراجية والأداء وإيقاع العرض .