سلمى والذّئب!
خيري منصور
* القدس العربي
ستة عقود من الكدح الثقافي، وتبشير مبكر بالحداثة حساسية وذائقة ورؤى، ومشروعات كبرى لترجمة الادب العربي بأنواعه، عجزت عنها دول تعاني من فائض المال وفائض التخلف معا... كل هذه السيرة التي لم نقتطف سوى الادنى من عناقيدها لأصابعنا تختصر في عبارة واحدة فتصبح سلمى الخضراء الجيوسي مجرد ثرثرة على جائزة نوبل، تلك تحيتنا وعرفاننا لامرأة نابت عن امهاتنا جميعا في المساهمة في تثقيفنا، والدفاع الباسل منذ أربعينات العرب الرعوية عن حق المرأة في اقتسام العبء الحضاري مع الرجل...
لقد عملت سلمى في صمت، وليس في ثرثرة عن نوبل او بوليتزر وغيرهما، وقطعت مسافات ينوء بها اكثر الذكور ادعاء بالفحولة لتقول للعالم اننا اهل فكر وأدب وفن، وان لدينا ما هو اكثر من ديوان العرب، خصوصا بعد ان سمعت من يختزل التراث العربي الى الشعر، وبهذه المناسبة من الأجدى استبعاد نجيب محفوظ من السّجال، فهو بريادته ومنجزه الروائي استحق التكريم الذي ظفر به حيا، ولم تقلل سلمى من مكانته لكن من حقها ومن حقنا جميعا ان نفرّق بين الاستمتاع والتقدير، فهي روت حكايتها مع محفوظ وانتهى الامر، لكن هواة الاختزال وقرع الطبول انتقوا من الجملة مبتدأها فظلت شبه جملة بلا خبر، وهذه ليست المرة الاولى، لأن ثقافة تردت في هذا الاستنقاع اصابتها عدوى النميمة وايديولوجيا الاستعداء والاقصاء معا ...
لقد عرفتُ سلمى شاعرة وناقدة ومترجمة واكاديمية بارزة قبل ان التقيها بعقود شأن معظم ابناء جيلي، وفي اول لقاء معها في الكويت في منزل ابنها اسامة، ذكرتها بقصيدتها عن المدينة، والتي عبرت عن احساس مدني لديها، بحيث لم ترَ في المدينة ما رآه اسلافنا عبر العصور، فهي على الاغلب كانت عاصمة للهجاء، حذّر رجال الدين منها، وثمة من جعلها صنوا للشرّ، اضافة الى ان ابناء جيل سلمى هجوا المدينة عن طريق المحاكاة، لأن ما ترجم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي من اشعار لاديث سيتول واليوت وباوند وآخرين كان له موقف سلبي من المدينة العملاقة المعاصرة التي تسحق الناس، في تلك الايام كانت مدننا العربية اشباه قرى، وضواحيها غير مضاءة بالكهرباء، ولم يكن صعب علينا ان نرى الثيران والخيول تحرث على مقربة من الضواحي القريبة.
امتازت سلمى برؤية المدينة كما هي، ما دام لكل مدينة في الكون سحرها رغم شحوبها، وهذا بحد ذاته اختراق معرفي بأداة شعرية لأفق شبه مسدود ....
والعرفان ايضا فإن ترجمة سلمى لجزأين فقط من رباعية داريل كان له اثر واسع على جيل بأكمله، واذكر ان واحدا من ابرز الشعراء قال يوما : اننا جيل (جوستين)، ورغم ما قدمته سلمى من ترجمات اخرى مثل كتاب ارشيبالد ماكليش ' الشعر والتجربة ' فان ترجمتها للرباعية بقيت المثال الذي يقترن بما يقال عن ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيام او ما قاله غوته عندما قرأ ترجمة نرفال لأشعاره الى الفرنسية، فقد قال ان هذا الشعر هو ما اردت كتابته.
* * * * * * * *
ذئب او ذئاب سلمى من طراز آخر مغاير من حيث اصل الحكاية لذئب ليلى، فالمرأة العربية في منتصف القرن الماضي لا حاجة بنا الى استذكار ما كانت عليه، وكان الذكور او سادة التاريخ البرونزي يحولون بيت الدمية لهنريك ابسن الى قلاع تعجّ بالدمى من الماء الى الماء، وكان على المرأة ان تجترح افقا لتحقق ذاتها او تكابد اضعاف ما يكابده الرجال، واذا كان هناك ذكور صعب عليهم ان يقبلوا اطروحات مضادة لنون النسوة كما يعرفها النحو الفكري والفقهي لا اللغوي كالتي قدمتها رائدات مثل هدى شعراوي، فإن ما تغيّر في المشهد لم يكن كبيرا عندما اقتحمت نساء عربيات الخطوط الذكورية الحمر، ومنهن نازك الملائكة وسلمى الجيوسي اضافة الى اسماء اخرى مثل د. لطيفة الزيات وليلى بعلبكي، ولم يقتصر الأمر على الثقافة، فكانت جميلة بوحيرد الجزائرية الاطروحة الاكثر تجسيدا في تقديم مضادات لثقافة الذكور المؤدلجة !
* * * * * * *
في المفاضلة على صعيد الاستمتاع في التلقي بين نجيب محفوظ ويوسف ادريس، ليس هناك ما ينتقص من احدهما، وقبل شهور كتبت في هذه الزاوية من 'القدس العربي' عن استحقاق يوسف ادريس لنوبل، والعوامل التي حالت دون نيلها، لكنني قبل ذلك كتبت عن محفوظ عدة دراسات بدءا من العام الذي فاز فيه، وفي ندوة اقامها اتحاد كتّاب المغرب في الرباط مع الصديق الراحل جبرا ابراهيم جبرا وربما كنت اول المعلقين على فوزه بالجائزة وعبر اذاعة لندن العربية، اضافة الى عدة حلقات تلفزيونية منها انني اعتبرت ميرامار والسمان والخريف من اهم روايات القرن الماضي، وحين نشرت بعد رحيله دراسة عنه في مجلة وجهات نظر غضب مني بعض الاصدقاء لأنني قلت ان مصر التي ولدت نجيب قادرة على ان تلد الأنجب منه!
ان الامر يثير الاسى وشيئا من الخجل ان نضطر احيانا الى تبرئة الذمة الثقافية ازاء محترفي صيد السمك في الصحراء ما دام التقويل لا التأويل المنطقي هو سمة ثقافة تأكل نفسها ومثقفين يأكلون لحوم بعضهم احياء وموتى !
* * * * * * * *
لماذا تضطر الصحافة التي احترفت تجريف الوعي وتسطيح كل شيء مثقفة مثل سلمى الجيوسي لكي تعطي ولو دقائق من وقتها الماسي لا الذهبي كي تبرىء نفسها من تقويل يستهدف الاثارة، ولو تورط اي مثقف او مثقفة من العرب في الرد على ما يشاع وما يجري تلفيقه تحاسدا لما وجد لحظة للكتابة، اما جائزة نوبل وغيرها من الجوائز فهي لا تمنح لقوميات او اثنيات او تبعا لخطوط الطول والعرض للجغرافيا الثقافية او السياسية، بحيث نتوهم بأنها موزعة بالتساوي كالنشيد الوطني بيننا، ومن حقنا ان نقول بصراحة ان هناك من الصّلع من يتباهون بضفائر ابناء العم او الخالة، ودرءا للتقويل لا اقصد احدا من اصدقائنا الروائيين او الشعراء، بل هؤلاء الذين الحقوا ضررا بمن نالوا نوبل وهم يكدحون فيما ينعم الجهلة بكل اطايب العيش، ومن طعن نجيب محفوظ للأسف لم يكن من بين الاسكيمو او سيبيريا او بلاد واق الواق، لأن المسألة اولا واخيرا متعلقة بالوعي، والمجتمعات تفرز من القضاة والروائيين والشعراء النبلاء مثلما تفرز مجرمين وقتلة.
ان السجالات الطافية على سطح مستنقعاتنا الثقافية كالطحالب لا تتغير، وكأنها محصّنة ضد التنوير والتغيير، فهما لا يمسّان اكثر من السطح السياسي، لهذا سرعان ما تعود حليمة الثقافة الى عاداتها القديمة !
* * * * * * * *
ما قاله الراحل هشام شرابي في كتاب التكوين الاجتماعي والثقافي للعربي يليق بمثل هذا المقام وربما بكل مقام، وهو فشل اخي نجاحي، فالمراذلة وفق هذه المعادلة المريضة والمقلوبة تحل مكان المفاضلة، فنسعى الى ان نكون الأقل قبحا وليس الأجمل ويتطلب هذا تقزيم الآخر، ولا اجد نقيضا كما قاله الراحل هشام شرابي غير ما قاله بول فاليري ذات يوم وهو انه اذا رآه الناس اطول قامة من ابيه او جدّه فذلك لأن احدهما يحمله على كتفيه..
كفى عقوقا ومحاكاة لذكور الحمير التي ما ان تبلغ رشدها الجسدي والغريزي حتى تنزو على امهاتها.
اما سلمى ونجيب وادريس وسائر السلالة، فهم ليسوا اسماء مستعارة لاثنيات او قوميات، انهم الدفاع الخالد عن انسانيتنا اولا ..
وسلمى التي نجت مبكرا من الذئاب ستمضي بكل حمولتها المعرفية محفوفة بثلاثة اجيال ممن كانت هي ومن معها المرضعات الثقافية لهم ولهن !