النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الموتُ في خطر /عبدالعزيز جاسم

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    الموتُ في خطر /عبدالعزيز جاسم

     

    الموتُ في خطر

    عبدالعزيز جاسم

    * الخليج الثقافي








    “وقال لي بَدَنُكَ بعد الموت في مَحَلّ قلبِكَ قبل الموت"

    (محمد بن عبدالجبّار النفّري)

    (1)

    لا شيء أكثر تمزيقاً للروح ومجلبةً للاضطراب والحزن، من حدث الموت، فهذا الحدث الصاعق يقوم بقلب الأشياء والمواقف، ويُحْدِث الارتجاج والصدمة، ويُشيع الصَّمت والارتباك والشكوك، ويُوقف الوقت للحظة أو للحظات، ويَضع العربة أمام الحصان، ويُفجِّر نافورة من الأسئلة التي لا تتوقف، كأنما حدث الموت، هو الدهشة في تجليها المربك، أو كما لو أنه البرق المُرَكَّز الذي يُشعل غابة في ثانية، فما إن يحضر بظله الشبحيّ، في أي مكان أو زمان، وتتسلل رعشاته الباردة في أجساد الموتى، حتّى يتغير المشهد كله وتسقط الرؤوس كحبّات يقطين، هذا لأن الموت في طبيعته، يمشي عكس التيار . عكس الرّيح والعواصف، عكس إشارات المرور والموانع . عكس الشرائع والقوانين، عكس الأخلاق والفضيلة والمشاعر، بل أكثر من هذا، عكس اتجاه الحياة ذاتها .

    ولكن، هل تَمَعنَّا يوماً في الموت؟ هل استوقفناه وسألناه، عن سبب صنيعه الفظيع هذا؟ هل قلنا له: مَنْ أنتَ مثلاً؟ وهل تخيلنا مقدار ذرة، محدودية الموت وضعفه؟ بل هل فكرنا فيه، أبعد من فُلْكُلوره الشائع عنه؟

    (2)

    أسئلة وراء أسئلة، مثل هذه وغيرها، تضيع منّا وتفلت من تفكيرنا عادة، عندما نختزل الموت إلى مجرد حادثة مؤلمة فقط . حادثة هي سيناريو مكرر، ويحدث يومياً هنا وهناك . لهذا تجدنا، وبالرغم من الحوادث المكررة هذه، لا ننظر للموت بوصفه ظاهرة مستقلة ولا سؤالاً قائماً بذاته؛ بحيث نرفعه إلى مستوى التفكير فيه معضلة وجودية، أو أنطولوجية بالأحرى، تمس حياتنا وذاكرتنا ووعينا وتتعلق بمصير حياتنا بعد الموت .

    فلو نظرنا إلى الماضي مثلاً، لوجدنا أن جميع الحضارات، والثقافات، والأديان، والآداب، والفنون، والفلسفات، والعلوم، منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، قد اهتمت بسؤال الموت ولُغْزِيَتِهِ . ولقد طرحت الأسئلة الكبيرة عليه، وظهرت التجارب الفكرية والروحية العظيمة، التي أخذت تتوافد على أرض الموت من كلّ حدب وصوب، وذلك من أجل فهمه، ومقاربته، وتلطيفه، ومقاومته، وإبقاء شرط الحياة فينا بوصفنا أحياء مشتعلاً ومحتملاً على الدوام، لهذا بحثوا عن معناه وعن ماهيته، وتساءلوا: هل الموت هو “وَهْم”، أو “تغير ومعرفة”، أو “تشتّت”، أو “انفصال”، أو “تخيل”، أو “تحوّل”، أو “عتبة”، أو “إمكانية”، أو “أمر محتوم”، أو “أفق”، أو فناء ونهاية؟

    بالطبع، ستظل هذه النظرات والرؤى والتعريفات المتعلقة بالموت، مفتوحة بعضها على بعض ومتشابكة ومختلفة في ما بينها . لأن كل واحدة منها، تنتمي إلى حضارة وديانة وفلسفة مختلفة عن غيرها . لكن ما يهمني توكيده هنا: هو أن الموت في السابق، كان له معنى وقيمة وقداسة، وأن الميت كان له احترامه وكرامته وقدسيته أيضاً .

    (3)

    إلاّ أن الموت اليوم، مقارنة بما سبق، يبدو بلا معنى وبلا قيمة روحانية أو جمالية، بل إنه جُرِّد من صفته الإلهية كحق طبيعي، ليصبح مُلْكاً خاصاً ومدجناً وتابعاً لسلطات الاستبداد، التي تحركه كوحش كاسر في أية لحظة وثانية على رعاياها في الغالب . لقد أهين الموت فعلاً وانحطّ مقامه القدسي، عندما أصبح صناعة بشرية محضة يتحكم بها الأقوياء من أجل قمع وقتل الضعفاء وإذلالهم، لذا ومع إنزال الموت من أعلى إلى أسفل، تغير اسمه أيضاً، فبدلاً من الملاك عزرائيل، ذلك الاسم الشاعري والروحاني القديم؛ أصبح اسمه إرهاباً أو إرهابياً، شبِّيحة، مرتزقة، دكتاتورية، أسلحة من كل نوع وصنف (تصلح كأسماء للموت ولأبنائه وأحفاده مدة قرنين قادمين، وبمعدل اسم في كل يوم)، بوليس سري، مجازر، مذابح جماعية، تهجير وتشريد، معتقلات لا تصلح للحيوانات، قمع، قتل عشوائي وأعمى، قنّاصة، تطرف ديني أو حزبوي، تجار أسلحة، تعصب ظلامي، فتن طائفية، عنف مطلق، وهكذا، إلى ما لا نهاية . وعليه، ومع تغير المصدر والفاعل والصفة والاسم، تحول أيضاً اسم القتلى والموتى في قوس هذا المدار ذاته، إلى شيء يشبه الشتيمة أو الحشرات أو البصقات، أو إلى مجرد حيوانات لا تساوي ثمن الرصاصة التي تقتل بها .

    هذا التحول الخطر جداً، في معنى الموت والموتى، وانحطاطهما قيمياً وإنسانياً وفكرياً وأخلاقياً وجمالياً وروحانياً، الذي رأينا أنموذجه متحققاً بشكل كبير إبّان ما سمّي بالربيع العربي، أو الثورات العربية، أو سمِّها ما شئت (إذْ لم تعد تهمني الأسماء بحدِّ ذاتها)، لهو دليل صارخ على انحطاط قيمة الإنسان وكرامته، لا في حياته فقط، بل في موته كذلك، ولعل الوحيد، في رأيي، الذي انتبه لتحولات الموت هذه في لحظتنا الراهنة، وذلك قبل عقدين من الزمان، وإن كان ذلك في الشق الجمالي من المسألة، هو المفكر الفرنسي “ريجيس دوبريه”، حين أعلن في كتابه “حياة الصورة وموتها”: بأن “الموت في خطر”! وبأن مخيلتنا وحاستنا السادسة تجاه اللامرئي ومعها الحواس الخمس، ستضعف جداً من جراء “موت الموت”!

    (4)

    هناك إذاً في هذا الكون، صراع محتدم بين الحياة والموت، تتجوهر لعبته في أنصع معانيها؛ بين حركة النِّسيان التي تولِّدها الحياة وتجعلنا نهرب من الموت أو نقف ونقاومه، وبين حركة الذاكرة أو التذكّر التي يولدها الموت ويبعثنا أحياء من جديد، وذلك في نوع من التواشج والانسجام الخفي، الذي يحدث في ما وراء صراع الاضداد الظاهر ما بينهما، حيث تقبع إرادة البقاء العظيمة حيّة وصافية خلفهما تماماً . لأن إرادة البقاء هذه، لا تنتمي للحياة ولا للموت، بل إنها تنتمي للخالق الأسمى الذي بيده الأزل والأبد . وهنا بالضبط، وفي هذه النقطة تحديداً، نتعرف محدودية الموت وضعفه، وأنه لا يستطيع أن يؤثر في كل شيء!

    فالموت، على سبيل المثال، إذا ما استطاع إماتة صنّاع الأثر كما فعل بهم عبر التاريخ، إلا أنه لم يستطع أبداً محو جميع الآثار التي خلفها هؤلاء الصنّاع أنفسهم . فهل استطاع الموت مثلاً، ومنذ فجر الكون، أن يوقف الجاذبية الأرضية أو حركة الكائنات والوجود والتاريخ؟ وهل استطاع أن يمنع مقاومة الطبيعية؟ بل هل في مقدوره، أن ينهي الحرث والنسل والولادات، من الوجود تماماً، بضربة واحدة؟

    ليس بمقدور الموت، في رأيي، أن يفعل أو يقوم بكل هذا، مهما بالغ في غروره وأظهر قوته العمياء، لأن هذه الأشياء الحيّة والمقاومة للموت، التي ترفض الموت ولا تستسلم له قط، هي أكبر بكثير من طاقة الموت ومن سلطانه، فهي تنتمي لإرادة البقاء، تلك التي لا تمد الحياة والأحياء وحدهم بالحياة والطاقة فحسب، وإنما هي من تجعلنا نواصل الحياة بعد الموت أيضاً، وتمنحنا الأمل بالبقاء الأبدي الذي نتمناه .

    (5)

    غير أن الموت، من جهة أخرى، لو نظرنا إلى تاريخه مثلاً، فإننا سنجد أنه تاريخ ذاكرات حضارية وثقافات ومتاحف وعمارات جنائزية ومكتبات وألبومات شخصية، بل هو تاريخ فن وكتابة في الأصل، فهذه الذاكرات التي نشأت بسبب الموت وبحافز منه منذ فجر الخليقة، ظلت توفر للبشرية الحنين المفتقد، والمعرفة، والمتعة، واكتشاف الأصول، والتخيل، والاحتفاظ بالذاكرة الإنسانية وحمايتها من التلف والنِّسيان . . أليس التاريخ البشري كله، ذاكرة موتى؟

    من هنا نفهم، عمل الموت الطبيعي وليس القسري أو المختطف، فهو عندما يميت شخصاً ما مثلاً؛ فإنه في الحقيقة يحرِّره ويضعه في مجال الذاكرة ويلحقه بخزين التذكّر، أي بمعنىً آخر، يضعه في مجال التاريخ، التاريخ الشخصي للأفراد والأسر أو التاريخ الجمعي للشعوب، وهكذا، وبهذه الطريقة ذاتها (وهنا تكمن المفارقة المدهشة للموت)؛ يجعل من الشخص أو الشعب أو الشيء أو المكان الذي أماته، حيّاً وباقياً في الذاكرة، أي أن يجعل الغائب المدفون تحت الثرى، حاضراً وماثلاً أمامنا في نص، أو في صورة، أو في صوت، أو في أثر، أو في ذاكرة .

    عمل الموت الممتلئ بمعناه إذاً، ليس الدفن والإقبار فقط، بل الإحياء والإبقاء أيضاً، بينما عمل الحياة ليس الهرب والنِّسيان، بل المقاومة والأمل المفتوح على المطلق كذلك .

  2. #2
    مشرفة نبض الوطن الصورة الرمزية نبض انسان
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2011
    الدولة
    فوق البيــــــت
    المشاركات
    36,428
    معدل تقييم المستوى
    1553

    رد: الموتُ في خطر /عبدالعزيز جاسم

    تسلمين اختى رذاذ على ها الاختيار..
    دمت بحفظ الرحمن..
    [flash=http://download.mrkzy.com/e/1912_md_13374412136.swf]WIDTH=400HEIGHT=350[/flash]


  3. #3
    عضو مميز الصورة الرمزية موسوعة الحب
    تاريخ التسجيل
    17 - 3 - 2012
    الدولة
    كوكب لايسكنه احد سوى موسوعة الحب
    المشاركات
    702
    معدل تقييم المستوى
    79

    رد: الموتُ في خطر /عبدالعزيز جاسم

    تسلمي حبيبتي رذاذ عبدالله ابحفظ الرحمن
    اللهم ارحم(( نوره بنت أحمد ال مالك ))
    اللهم أنس وحشتــــــها وارحم غربتها وتجـــاوز عن سيــئاتها واقبـــل منها حسنــاتها
    اللهم نقها من الذنـــــــوب والخطـــايا كمـــــا ينقـــى الثــوب الأبيـــض من الدنـــس برحمتــك يا أرحــم الراحميـــن

  4. #4
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: الموتُ في خطر /عبدالعزيز جاسم

    شاكـرة ارتشافاتكما الأدبية الرفيعة لمقال عبد العزيز جاسم،
    دمتما بنبل ،،

  5. #5
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    دار القواسم=
    المشاركات
    13,119
    معدل تقييم المستوى
    279

    رد: الموتُ في خطر /عبدالعزيز جاسم

    شكرا لج على طرح المقال لعبد العزيز جاسم ..
    مقال شيق دمتي بخير وسعاده ..
    لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
    استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
    توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •