النسخة الشعرية الغائبة
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
للشاعر الإسباني فدريكو غارسيا لوركا قصيدة خفيفة كما لو تُشرب مع كأس ماء بارد في الصباح . . يقول:
“من خلال غصون الغار
رأيت حمامتين داكنتين . . الأولى الشمس، والأخرى القمر
قلت لهما يا جارتيّ . . أين قبري؟
في ذيلي قالت الشمس . . في جوفي قال القمر” .
ليست غريبة هذه العذوبة على لوركا، الشاعر الوسيم، ابن غرناطة والعاشق الكبير للغجر “وهم يصعدون الجبال”، فهو ابن الريف الأندلسي الأخضر المكتظ بأشجار الزيتون، وبين هذه الأشجار جرى دمه على التراب عندما أطلق عليه القتلة النار وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، أمضاها في قلب الجمال وضد الدكتاتورية والطغيان، ولذلك كرهه الجنرال فرانكو وأطلق خلفه كلابه التي تؤذيها قراءة الشعر وسماعه من فم شاعر رغم موته المبكر إلا أن صوته مازال يملأ الأرض .
عندما تناهى إلى الشاعر التشيلي بابلونيرودا خبر مقتل صديقه لوركا كتب نشيداً إلى الشاعر الغرناطي المغدور:
“أستطيع أن أموت لأجل الحلاوة التي تتضوّع منك
أستطيع ان أموت لأجل البحيرات القرمزية
تلك التي تقطنها منتصف الخريف” إلى أن يقول:
“سنونوات خضراء تعشش في شعرك” .
ما جمع لوركا بنيرودا مشترك مبدئي واحد هو محاربة القبح والاستبداد بجرأة وشجاعة حدّ الاستشهاد أو ملاقاة الموت بصدر عارٍ .
أكثر من شاعر في القرن العشرين، قرن الثورات الشعبية وحركات التحرر والاستقلال ونبذ الاستعمار والتغلب عليه، كانت تربطهم صداقة من نوع صداقة نيرودا ولوركا . وإن لم تكن تلك الصداقات واقعية وحياتية تماماً، فهم أصدقاء من خلال السلالة الشعرية التي تجعل من الشعراء عائلة واحدة، هكذا نشعر، من خلال الشعر . . الشعر وحده كما بصلة قربى بين أراغون وناظم حكمت، وحامد بدرخان، وبورخيس، وعبدالوهاب البياتي، وطاغور، ومايكوفسكي، إلى آخر هذه الكوكبة التي ليس لها من آخر، طالما تسقط دموع وتجري دماء .
تلك الروح الشعرية التي انتهت برحيل أجساد هؤلاء الشعراء ليست موجودة اليوم في مثل تلك الحرارة والسطوع قبل خمسين عاماً على سبيل المثال، ومع أن التاريخ يكرر نفسه، كما يقولون دائما بنسخ جديدة من الألم البشري، إلا أن تلك النسخة الشعرية “العائلية” على طريقة نيرودا ولوركا وأراغون . . إلخ، غير موجودة اليوم . هناك جزر وارخبيلات وكيانات شعرية عربية وعالمية متباعدة، إن لم تكن متنافرة، لا بل هناك من شعراء اليوم من يؤيد جنرالاً مسلحاً أو يقف إلى جانب طاغية، أو يصفق لدكتاتور من دون أن تتعب يداه من التصفيق .
بعض شعراء اليوم، عرباً أو من العالم تماهوا تماماً مع ثقافة الاستبداد، لأنهم جزء من تركيبة هذه الثقافة ونتاجها الكارثي المرعب .