نخلة في القلب.. مفردة واعية في الدرب
يستطيع الإنسان أن يخذل كل ما يحيط به ويجاوره أو يحاذيه إلا أنتِ..
علي أبوالريش
* الاتحـــاد
من دفقة الإخفاق، من ربقة الأشواق، من حلم تدفق واعياً يحرق الأحداق، من سعفة هفهفت على الروح وتناسقت وجعاً مع الجرح والقروح، من دواعي الأيام والآلام والأسقام، وما أودعته السنوات في المهج، أيقنت أنك في السفوح النائيات ظل وفل، وأنت الحنين تجلى سامقاً يزعزعني، يمزقني، يقتادني شيئاً ضئيلاً، ويحاصر الذاكرة، يأخذني مني إليك، يجيء بك منك إليَّ، نتداخل، نتكامل في الخضرة والحضور، نتنامى في العشب والسطور، وذاك عصفور مهيض، يتلفت يتهافت يحصي عدد الأعشاش والأعراش، يمني النفس ليت أنه بلا جناح ولا جراح، لخاض ملحمة الوجود عند القمة الناهضة، واستولى على دفء الحضن والحصن الحصين، ونام قريراً بلا توتر أو تضور، واستتب واستتاب بلا معضلة ولا زلزلة، يطلب الغفران والسلوان من جذر وخور، ويناجي الله العلي بأن يحفظ الجذع والنزع، وأن يبارك في العناقيد ملاذا وذواداً، ويقول عنك ما لم تقله القصائد من بلاغة وصياغة.. يقول يا نخلة الزمن الجميل أنت الجناح والموئل، أنت البراح والموصل، أنت السقيفة إذ كان الفضاء عارياً متدارياً الغيم والضيم، وأنت الشقاء اللذيذ، أنت النبيذ المعتق بالعرق وما نز به الحدق، أنت الساقية وأنت القافية، وأنت القصيد المدوزن بالنبات والثبات وحبات الهوى، وإن الهوى أسرار وأنهار جرت في الدم وانسالت ذاكرة وفكرة.
يا نخلة الزمن الأصيل نخلة وجملة، لقنت عصفور الهوى كيف يخفق وكيف يغدق الأرجاء بما شاء لحظة الانتشاء، بومضة وغمضة ولمظة من عرق النخيل الساقيات الكاعبات المدمنات العشق المدنفات بالنزق النبيل.. يا نخلة في القيظ ظل وهلال وخل، وفي من نخبة تشرب الرأس وما ثمل لأنك المؤمنة المسالمة الحالمة بالغد والوعد، ولأنك من نسل آية جلجلتك فتجليت وتعليت وتساميت وتسامقت وأبديت وأعطيت وأبديت وأعطيت وبذخت بفخامة وشهامة وسعيت سعى الناهضات الكواعب، ورفلت من محسنات البديع والبوح الفظيع فأذهلت وأدهشت وأمتعت وأقنعت وملأت الحنايا بشيم وفضيل السجايا.. نخلة أنت تمرة القلب وسفر الأسعار حين تغادر الديار، عيون ولا خليل معلل مدلل سواك، نخلة أنت شجرة المبتدأ والمنتهى، الفعل المضارع والمنجل المحفور في التربة والترائب، عندما تصعد البيدار وتقاً، واحتاط بالحبل متماشياً ماضي “الكرب” من وخز ونز، وامتطى صهوة الحياة متوارياً عند الكثيف الخفيف وكأنه ألف لام التعريف مخاصماً خوفه مداهماً نزفه مغنياً للقيظ والخلان..
ختام البوح
“القيظ ما طول زمانه - شهرين والغالي مشوبه” ثم يختم البوح بآه وتنهيده كأنها القفل لنهاية قصيدة ربما لم تكتف ببيت ولا عشرات الأبيات، لأنك يا نخلة الشعر والسفر والرجفة والحر، ملهمة مفعمة في الطهر والتسربل بعافية وعفوية لأنك يا نخلة ما ساور خلدك غير إنسان بأشجان يخصبك بالماء والدماء ويمارس غيه ووعيه بانتماء بلا إغواء لأنه السواء والصراط الحليم إذ يستوي على الأشياء تكون فسيلة وفصيلة، ووسيلة، وأكسير حياة.
لأنك النخلة كنت المنطقة الواعية في الذهن، كنت البياض في عين طائر الحمام، يهدل ويجدل المعاني الجليلة، ويفسر اللغز العميق، في أنشودة آخر النهار، حين تأوى الأجنحة مرفرفة مستسلمة للهجيع بلا نجيع متوارية في الخضم الرهيب، محتفلة بفخر ولمز وهمز لا تفسره سوى أخفاق البراءة ولا تفصح عن معناه غير نخلة جاورت في الهوى أصنافاً وأطيافاً وما توقفت يوماً عن النشيد لأنها من اللحن تخيط خيوط الحرير على عنق وساق وتفشي الأسرار لمهج ومآق.
لأنها النخلة، ولأنها البوصلة وعقدة المسألة حبلت بالمعنى، واستوجب الحَبَل أن يكون جنيناً في أحشاء الوجود، وأن يكون الوجود حنيناً لمبتدأ نظنه الخلود.. لأنها النخلة نتساوى والنجمة المنعمة بالبقاء وبلا انتهاء، ولأنها النخلة تتوازى وأشواق العشاق وما تلألأ في الآفاق وتجلى عمراً أزلياً لا فراق ولا انعتاق.
لأنها النخلة يصعب أن تنحني أو تنثني أو تتوانى عن تطاول المجد بوجد، وكد وقامة فارعة، وصرامة قَدِ.. لأنها النخلة يصعب أن تبيع الهوى عن هوى، ويصعب أن تتمادى في الجفاء أو الرجاء ولأنها النخلة فإنها تجيد أن تروي الحكاية من البداية حتى النهاية بدون تلعثم أو تبرم.
يا نخلة رغم الفراق ورغم الشقاق، ورغم انطلاق الطير في غربة الأحداق، لم تعلني الطلاق ولم تغربي من مدارات الهوى، وما انسحبت ولا انسكبت في فراغات النوى، بل سخطت واحتججت حين مادت الأرض ومارت وفارت ثم سارت تسأل الدنيا عن فصول مجها النث وأغواها الهجر، ثم حارت في دياجير الدجى فاستدارت تسأل الحبل عن البيدار والأخبار تسأل “الكرب” عن الأسرار والأكدار والأحداث والأجداث التي بنيت فاندثرت وتلاشت في الخفايا أين ذاك البئر أين ذاك الجدول المترامي، أين الأغنيات والهديل وهمس الغافيات وقت الأصيل المدنفات مساء يحطبن في الهوى عشقاً ونسقاً ينزوين خلف نخلة يحتوين الزلزلة ويشاغبن المساء بعيون ناعسات كاحلات مدعجات حور، ويجدلن الحنين مخصبات بالهوى والعشق نار وثلج، ساهمات غارقات في عبير النخل، واشتهاءات المجون في جنون أنثوي يحرث الأرض ويغشي ما توارى تحت ثوب الاحتراق ويكابدن لذة الشوق ما بين النخيل، والصهيل أنثوي والهديل أنثوي والعناقيد المدلاة هواها أنثوي وخرير الماء، وحرير العشب، جلة من نسج أنثوي، يا له من فيض مساء لا بدايات له لا انتهاء إنه كعيون النساء حين تصفو حين تغفو ويرتل الحلم كلاما ما عرف الدهر مثيلة غير أن تسرد أنثى عن حكايات النخيل وتحدق في جنون النخل في الجذر النبيل، في الخصلة الهيفاء في الغصن الجميل.
غيظ المساء
يا له من غيظ مساء جملة حبلى بأحلام النساء واحتراقات الجوى حين يبدو الوقت قيظاً حين يزداد الهوى غيظاً تتسامى عين النساء وتجدل الحلم وصالاً نبيلاً، وتجدد عهد النخيل عند وادٍ بزرع عند جادة وعي، بما جاء النخيل وساد بانفراد لا مثيل..
هو ذاك المسك، هو ذاك الفتك، هو ذاك الاعتناق الأصيل، جاء من جذر وعنقود سليل، هو ذاك أكسير قدير، منح الحب حياة والحياة في شرايين النخيل، أججت ناراً وثلجاً، أتلفت في الشوق مهجاً وتمادت في التبدد في عروق الناس وابتهالات الطير المغرد، يا له من نهر كلام، كان يسطو في المساء ويسيطر ويبادر في السقى شلالاً وزلالاً وتجيب المرأة الولهى لسائله أين أنت .. أين بعلك؟
إنه في حياض النخل يلهو .. إنه في رياض الحلم يغفو وأنا .. ها هنا أحلم بالمشيد.. يا له من نهل فريد، غير الوقت مكاناً غير أزمان وإنسان وبقى النخل يعانق كبد السماء في تحدٍ يتجلى إنه العقد الفريد..
في صيف أو خريف، في شتاء أو ربيع تبدو هذه الأمثولة الألياذة أو الكوميديا الإلهية تفجر الوعي بأحلام الصبا، ونبض المعجزات تستولي على الخاطر تستوطن فضاء الذاكرة متفرعة فارعة بنوايا بارعة، والجذر المتسامي يحدق ويحلق ويطرق ويغدق ويسرق جل الألوان ليبقى الأخضر فريداً وصيداً عتيداً مجيداً راسخاً في الأرض شامخاً في السماء يبقى الأخضر، عنواناً ورسالة ويبقى الأخضر العطاء بجزالة ويبقى الأخضر، المنطقة التي تعشوشب في اللاشعور الجمعي لأنه لون النخلة وفوح العنقود المتجلى لذة واشتهاء.. في كل الفصول بفضول الاتقياء تبقى الأشقياء بحِلِمْ النبلاء ونبل النجباء لا يتورع العذق أو يدل بدلوٍ ويصرح بوضوح إنه من أصل آية وغاية ورواية امتدت جذورها في التاريخ حتى صحا المؤرخون ذات وعي، وأيقنوا أن النخلة من أصل جملة جاءت على سفح وسطح، فاستعصى على الكتاب أن يقرأوا معناها فثارت ثائرة المعنى بأصول الجملة والنخلة فقال لهما أصل واحد ففيهما الاسم.. والفعل .. والسلام ختام..
ويا نخلة هذه الجملة هذه المسالمة والمعضلة والزلزلة هذه حلم تمشي منذ زمن تربة ونبضه فحضت وألبت لكي يكون للحلم معنى ويكون الحياة لون ويكون للإنسان حبل الوريد الذي منه تتسرب الدماء إلى حيث يقطن القلب.. يا نخلة يستطيع الإنسان أن يخذل كل ما يحيط به ويجاوره أو يحاذيه، إلا أنت.. أنت وحدك السامرة الساهرة الساحرة المثابرة المغامرة القادرة على الصمود تأكيداً للخلود أنت وحدك الأنثى المروضة للمستحيل القابضة على لذة الحياة بلا عناء ولا بداية أو انتهاء.. أنت وحدك تفلين حديد الأشياء كأنني بالغة النبوغ نابغة في البلوغ ولا مسوغ لديها غير أن اعتبار الوجود حبة من حبات عناقيدها.. أنت وحدك أيتها النخلة المجاهرة في الصهيل حين يشدو طائر أو يهيم حائر تكونين أنت الناي والنغم، والحبر والقلم وأمسيات تتعجل مجيء طيورها ليحلو الدفء وينتشي العشب، وأنت وحدك تبدين تمنعاً وتطلعاً في آن واحد، وأنت وحدك تصورين المشهد، وتصنعين التفاصيل في مقلتي عاشق أو طائر مراهق ثم تشيحين متلذذة بالنجوى وما جاش به الهوى.