نواطير يكسبون أضعاف رواتبهم من العمل الإضافي..
الخليج
عندما تصبح المهنة أداة جديدة للحصول على دخل أكبر حتى وإن كان مخالفاً للقوانين، فنحن أمام ظاهرة تثير فضول الأغلبية، “ناطور” البناية تلك الشخصية التي تثير جدل السكان، فأحياناً تراه رث الثياب قليل الحيلة وهو في الخفاء يجني أضعاف راتبه، وتارة تراه مستغلاً حاجة فلان، وأخرى يغتنم فرصة ذهبية عرضت عليه .من يتجول بين البنايات السكنية يجد من القصص التي قد يتعجب منها وأيضاً قد يتألم بسببها، فمنهم من يدعي الفقر وهو يمتلك في بلده بنايات ربما أفضل من البناية التي يعمل بها، ومنهم من يأسرك بابتسامته عند دخولك وخروجك من البناية تشعر في تقاسيم وجه علامات الرضا حتى وإن لم يجد إلا قوت يومه .
“الخليج” تجولت بين عدد من البنايات السكنية واستمعت لآراء السكان وعدد من “نواطير” البنايات، حيث تروي سيدة محمود (ربة منزل)، قصة حارس البناية السكنية التي تعيش فيها والتي كان يحرسها أحد “النواطير” من الجنسيات الآسيوية، وكان يتقاضى راتباً قدره 1500 درهم شهرياً ولكنه كان يجمع أضعاف هذا المبلغ شهرياً بأساليب مختلفة .وتضيف أنه كان يستغل حاجه السكان ففي حالة طلب أحد مساعدته يطلب منه مبلغاً من المال حتى وإن كان هذا في إطار عمله كحارس للبناية، كما انه يساوم السكان ويطالبهم بعمولة تتراوح ما بين 1500 إلى 3000 في حالة طلبوا تغيير الشقة في البناية نفسها أو للسكان الجدد، أيضاً كان يجمع الأثاث المستعمل ويقوم ببيعه، وحتى لا يعرض نفسه للمساءلة كان يحضر أحد أصدقائه ويقتطع منه مبلغاً من المال مقابل أن يسمح له بغسيل سيارات السكان .
ويرى بعض سكان البنايات أن “الناطور” شخصية لا يمكن الحكم عليها من منظور واحد، فهناك من يراعي عمله ويقدم المساعدة للجميع بابتسامة ورضا، والبعض منهم يستغل كل دقيقه من وقته من أجل أن يجني المال من سكان البنايات، فلا يكاد يقدم خدمة إلا وعيناه تنتظر المقابل .وتقول شريفة عصام ربة منزل أنه في فترة الصباح تحتاج لمن يقضي لها بعض طلباتها بسبب وفاة زوجها وانشغال أبنائها بالعمل والدراسة، لذلك لا تجد بديلاً سوى حارس البناية الذي يقوم بتلبية طلباتها مقابل وجبة غداء له كل يوم، مضيفة أنها لا تنظر لما تقدمه من طعام لأنها تعتبره عمل خير تقدمه للحارس .وتقول إيمان حبيب، ربة منزل، أن أي مشكلة قد تصدر من الحارس يمكن مواجهتها أو حلها أو التقليل منها، ولكن تبقى المشكلة الأكبر هي علاقته بالخادمات اللاتي يعملن لدى السكان، فهناك بعض الحراس من يقوم بإغواء الخادمات واستغلالهن سواء في سرقة المنزل أو مساعدتها على الهروب .
وتقول روان مهند (موظفة)، أن أكثر ما يزعجها في حارس البناية التي تسكن بها هي جلسات الشاي عند الأرصفة، والأحاديث الطويلة التي لا تنتهي، بين الحارس وأصدقائه والتي تسبب ازعاجاً لمن يدخل ويخرج من العمارة، كما أن معظم “النواطير” ينامون في غرف تكون غالباً في الطابق الأخير، وبمجرد أن يدخلوها يصبح في عزلة عما يحدث في البناية، وكأن دورهم يقتصر على تنظيف الدرج مرة في الأسبوع، ورمي النفايات في موعد محدد من اليوم، والبعض الآخر يماطل ويؤجل في طلبات الصيانة أو الملاحظات التي قد تصل له من السكان، فهم لا يخشون المساءلة من أحد في ظل غياب مالك البناية الذي قد يمر مرّة في الشهر .من جانبه، يوضح رائد عدنان (موظف)، أن بعض سكان البنايات لديهم فهم خاطئ لدور حارس البناية، فأحياناً تغضب بعض النساء عندما ترى الحارس لا يعيرها أي اهتمام وهي تحمل أكياساً كثيرة عند دخولها باب العمارة، وهذا بلا شك ليس من عمل الحارس، وإن قام به فهو مساعدة منه .
أما “النواطير” فيرون أن هناك مبررات تدفعهم لاستغلال ما يمكن استغلاله من أجل المال، ومنهم من يرى أن الرضا بما كتبه الله هو باب النجاة، يقول سدو مهتر إنه يبدأ يومه عند الساعة الخامسة والنصف صباحاً بغسيل سيارات سكان البناية التي يقوم هو بحراستها، حيث يجني من هذه المهمة كل شهر 1500 درهم، وذلك من أجل أن يوفر دخلاً إضافياً إلى الراتب الشهري الذي يتسلمه من مالك البناية وهو 1700 درهم، ثم يعود لعمله الأساسي وهو مراقبة البناية وتنظيفها، هي تلك حياة سدو مهتر حارس إحدى البنايات في أبوظبي .ويقول سدو أنه يعمل في هذه البناية منذ أكثر من عشر سنوات ولديه 5 أبناء يعيشون في بلده اثنان منهم في المرحلة الجامعية، لذلك يحرص على أن يوفر المال من أجل أن يضمن لهم فرصة تعليم جيد وحياة كريمة، ويقوم بغسيل السيارات مقابل 150 درهماً، وفي حالة قام بمساعدة أحد في الحصول على منزل يأخذ منه عمولة لا تقل عن 1000 درهم، إضافة إلى أنه يقوم ببيع بطاقات شحن الرصيد .
ويؤكد جمال كمال، حارس لفيلا سكنية تتواجد بها 10 أسر، أنه استطاع خلال شهر واحد جمع 5 آلاف درهم إضافة إلى راتبه الشهري 1650 درهماً من خلال مساعدة أسرتين في الحصول على سكن في الفيلا التي يعمل بها، كما أن أغلب الأسر التي تنتقل لمسكن آخر تترك خلفها أثاثاً مستعملاً يقوم بجمعه وبيعه على حسب القطعة من 60 إلى 200 درهم وهذا يعتبر دخلاً جيداً له من دون عناء أو تعب .
ويقول مهتر أن عمل حارس البناية ليس بالأمر السهل ويتطلب التواجد المستمر، والعمل ليل نهار، ولكن رغم ذلك يبقى الراتب الشهري قليلاً لذلك يلجأ أغلب الحراس إلى إيجاد فرص دخل أخرى، سواء كان ذلك مخالفاً أو وفق القوانين المعمول بها في الدولة .أما علي إقبال الذي يعمل في هذه المهنة منذ 11 سنة، فيبدأ يومه بالجلوس عند باب البناية مع صديقه الذي يعمل في الفترة المسائية في إحدى الشركات الخاصة، حيث يتبادلان أطراف الحديث وشرب الشاي والنظر إلى الداخلين والخارجين من العمارة التي يعمل علي حارساً فيها .
ويقول: العمل متعب وشاق، خاصة عندما تتواجد في العمارة شقق كثيرة، لأن ضغط العمل يصبح أكبر، ولكنني أحاول أن أنجز عملي بشكل جيد .ويضيف: إن ما يضايقني كثرة الاتصالات من السكان، التي لا تتوقف، إما لشراء مستلزمات البيت من أكل وشرب، أو للإشراف على أمور الصيانة التي تتعلق بالسباكة والمكيفات وما إلى هنالك، وبعض السكان لا يراعون أن هذا الحارس يحتاج وقتاً للراحة من العمل.