ضحك ونسيان
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
أقل من ساعة بالطائرة بين العاصمة التايلندية بانكوك، ومدينة “بنوم بنه” عاصمة كمبوديا، ويمكن للمسافر المتخفف من كل شيء أن يضحك كثيراً خلال هذا الطيران الخفيف، إذا كانت تجلس إلى جواره امرأة لا تعرف أية لغة سوى لغة الإشارة .
في مثل هذه الحالة يكتشف الإنسان أن يده تتكلم، ورأسه يتكلم أيضاً، فقط لغة الجسد البشري هي لغة الكون التي تختزل سكان الأرض في الضحك الذي هو مرآة القلب، كأن الإنسان عندما يضحك، لا يضحك من فمه، بل، من قلبه، ومن عينيه .
قبل الهبوط إلى مطار “بنوم بنه”، ومن الجو، ترى نهر “ميكونغ” الذي ينبع من الصين، ويمر في كمبوديا متجهاً إلى تايلاند . نهر يغير مجراه مرة في العام كما يقول الكمبوديون الذين تأخذ منهم هذه المعلومة وهم على الأرض، وليس في السماء . وهم يضحكون أيضاً من نهر يغير “رأيه” فيجري فجأة عكس مجراه، بكل خصوبته المائية .
الخصوبة أيضاً هنا في جنوب شرق آسيا خصوبة المطر الاستوائي الذي تمشي تحته وأنت تتصبب عرقاً . السماء تمطر وجسدك يمطر . مطر على الأرواح . مطر على ثلاثة أصدقاء وعلى سطر الكتابة .
التجوال في الضحى نوع من الكتابة أيضاً، ولكنها كتابة صامتة في بلد أصوات وألوان وروائح، رائحة دخان البخور أمام تماثيل لأسود وفيلة وأبقار وثعابين خلفها الكثير من المعتقدات التي تصل حد العبادة .
يقول الصينيون: “لا تضرب امرأة ولو بوردة” وفي بلاد كلها معتقدات مجسدة في منحوتات من الجبس والبرونز إذا ضربت تمثالاً فويلك ممن يعتقد أن الروح ماثلة في جسم التمثال .
ثياب الرهبان، وأكثرهم من الشباب برتقالية حارة مائلة إلى الأصفر المشرّب بالحمرة الوردية . يرتدي الراهب قطعة قماش واحدة يلفها على جسده، ويخرج من المعبد أحياناً حافي القدمين، ورغم كل هذا التدين بإمكانه أن يدخن في ظلال المعبد .
يدخل المعبد حافي القدمين، فيسأله الراهب: من أي البلاد أنت، فيشير إلى بلاده على الخريطة، ويقول تلك بلادي، ويفكر كم هي بعيدة آسيا عن شرق المتوسط . الشرق الآخر، فلا يوجد شرق واحد، ولا غرب واحد، كما لا يوجد جنوب واحد ولا شمال واحد، العالم له أكثر من أربع جهات . له أكثر من أربعين جهة .
بلاده صغيرة ووحيدة على الخريطة . الأنهار فيها، والعدو الباكي أمام الجدار وعلى رأسه “قبعة التوراة” لا يغير مجراه أيضاً، وما أكثر التماثيل في آسيا، وفي شرق المتوسط، في آسيا تماثيل من الحجارة، وفي شرقه المتوسطي تماثيل من بشر . العبد واحد والمعبود متعدد .
يغير النهر مجراه في “بنوم بنه”، فمتى تغير الأنهار مجراها بالقرب من أرض الكنعاني الذي ليس له سوى الدخان؟