ناديا تويني في غيابها المشع
شوقي بزيع
* دار الخليج
بحلول شهر يونيو/ حزيران من هذا العام تكون قد مضت تسع وعشرون سنة على رحيل الشاعرة اللبنانية ناديا تويني . وإذا كانت الفترة التي تفصلنا عن رحيلها قصيرة في حساب التاريخ، فإنها تؤشر على الأقل إلى قدرة صاحبة “محفوظات عاطفية لحرب في لبنان” على مواجهة النسيان وإبقاء نصوصها الشعرية في دائرة التوهج الدائم، يكفي أن نقيم مقارنة عجلى بين اسم ناديا تويني التي نشرت العديد من قصائدها في مجلة “شعر” اللبنانية أواخر الخمسينات ومطالع الستينات من القرن الماضي، وبين عشرات الأسماء الشعرية التي انتمت إلى المجلة نفسها، وغاصت بعد ذلك في النسيان التام لندرك أن الشاعرة التي رحلت في ذروة شبابها استطاعت أن ترسخ حضورها المشع في سماء الشعريتين العربية والفرنسية .
لم تختر ناديا تويني الكتابة بالفرنسية عن سابق تصور وتصميم، ولم يكن خيارها ذاك بمثابة تنكر شخصي أو إيديولوجي لجماليات اللغة العربية التي شغفت بها منذ نشأتها المبكرة، بل بدا الأمر نتيجة طبيعية لولادتها من أم فرنسية هي مارغريت مالاكان، في حين أن ظروف عمل والدها محمد علي حمادة كسفير للبنان في غير عاصمة أوروبية وعالمية أحدثت خللاً في التوازن بين اللغتين وجعلت الفتاة اليافعة تشعر عن غير عمد بامتلاك ناصية الفرنسية إلى الحد الذي يمكنها لا من إتقان نطقتها والتعبير بواسطتها فحسب، بل من تفجير طاقتها الشعرية التي ظهرت أعراضها في وقت مبكر .
لم تكن تويني وحيدة في هذا الباب بل إن الظاهرة التي سميت بالفرانكفونية كانت قد بدأت بالانتشار في الكثير من الدول التي خضعت للاستعمار أو الانتداب الفرنسي في مرحلة من المراحل، كما حدث في تونس والجزائر والمغرب والسنغال ولبنان وغيرها، وقد أدى ذلك التلاقح بين الحساسيات اللغوية المختلفة إلى ظهور أسماء فرانكوفونية متفردة في الموهبة والتأثير من مثل ليوبولد سنغور وأوغستينو نيتو ومالك حداد والطاهر بن جلون وكاتب ياسين وجورج شحادة وصلاح ستيتية والكثير من الشعراء والروائيين والمبدعين .
لن أدخل هنا في السجال المزمن الذي أثاره الكثيرون حول نسبة الشعر المكتوب بلغة أخرى وهويته وانتمائه، وربما كان هذا النمط من الكتابة غير معبر عن التلاقح الثقافي بين الشعوب وعن الهويات المركبة التي باتت حقيقة راسخة تمحورت حولها عشرات الروايات والقصائد والكتابات النقدية المختلفة . وتجربة ناديا تويني هي واحدة من أكثر التجارب دلالة على إمكانية الدمج بين الانتساب اللغوي إلى الفرنسية وبين الالتفات بالقلب والروح إلى ذلك المعين الثقافي والوجداني القادم من جهة الشرق، والذي ظل يرفد الشاعرة بالأخيلة والصور والمياه العذبة . ومع أن الشاعرة تنتزع جل موضوعاتها وهواجسها من عالم الذات وهمومها ونزقاتها الداخلية، فهي في الوقت ذاته تحسن الإصغاء إلى روح الجماعة التي انبثقت عنها والتي ظلت تطاردها أينما ذهبت بالنعمة كما باللعنة، وهو ما يبدو جلياً في قصيدتها “فصل في الشرق” التي تحاكي بشكل مقصود على الأرجح قصيدة رامبو “فصل في الجحيم” رغم الفروق الشاسعة في المقاربة والأسلوب، وتحاول بذكاء أن تقدم نوعاً من “البورتريه” الشعري عن عالم الشرق المترع بالتناقضات: “هذا هو الشرق أرض البياض السيد/ حيث اختار الأصفر والترابي والوردي بيتاً ملكياً/ حيث الشجرة مفردة والجنون جماعي/ حيث تدفق الماء العذب على مدى شراييننا/ العرق اسمه ولونه العنف/ الريح تعلو/ تقطع السماء قطعتين لكي نعبر نجمة في الشرق” .
مثل هذه الصور المشرقة التي تجمع بين الحسي والماورائي وبين الكلمة والرسم لم تصل إليها ناديا تويني إلا عبر المكابدة والاختمار والإصغاء العميق إلى نبض العالم وتحولاته . ذلك أنها في نصوصها الأولى مثل “النصوص الشقراء” و”عصر الزبد” كانت تتلمس بحذر مواطئ الجمل والمفردات وتحاول ببعض الإخفاق أن تجرد اللغة من شكليتها أو تخبطها الدلالي والذهني، إلا أن شكلين من أشكال الألم ذهبا بتجربتها بعيداً في التناغم والانصهار والمساءلة الوجودية والمعرفية . تمثل الأول في الرحيل المفاجئ لابنتها البكر، الأمر الذي كسرها من الداخل وقربها كثيراً من الموت الشخصي .
فيما تمثل الثاني في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان الذيونذرت له عمليها المميزين “لبنان، عشرون قصيدة من أجل حب” و”محفوظات عاطفية لحرب في لبنان”، حيث تقيم الشاعرة نشيدها الجنائزي المؤثر لكل أولئك الذين طحنتهم الحرب، وأولئك الذين نقول فيهم “لمزيد من الدقة ماتوا جماعات/ من حاجتهم إلى الموت/ كما يغلق باب عند هبوب الريح/ أو يدخل البحر من أفواهنا/ إذن ماتوا حقاً معاً/ أي كلٌّ بمفرده كما عاشوا” .