غارسيا ماركيز بورخيسيا
إسماعيل غزالي
* الخليج الثقافي
أن تحلم ذات قيلولة بشخص يحلم بك، ويحلم هذا الشخص بك تحلم به في قليلوته هو الآخر . مسألة بورخيسية بامتياز، لافتة في أكثر من قصة له، وبارزة بشكل خاص في نصه: الآخر .
يستضيف غارسيا ماركيز هذه الفكرة المارقة، في قصته: “بائعة الأحلام”، التي تنزع إلى توظيف تكنيك لعبة الدمى الروسية: فالحكاية الإطار تسرد مشهد جلوس ماركيز في أحد فنادق هافانا، وهو يتأمل ارتطام السيارات بواجهات المحلات إثر لطمة بحرية عاصفة . لم يكن العثور على جثة امرأة داخل سيارتها بكوة جدار الفندق الشيء الذي استرعى انتباهه، ولا اسمها المتردد في الجرائد ولا طبيعة عملها كمدبرة لبيت السفير البرتغالي بهافانا . بل كان الخاتم الفرعوني الذي يلمع في سبابتها، هذا الذي ذكره بامرأة تلبس خاتماً شبيهاً تعرف إليها في النمسا، وهنا يسرد حكايتها عندما سألها عن مهنتها وأخبرته بأنها تبيع الأحلام . فمنذ طفولتها اكتشفت قدرتها على الحلم والتنبؤ، ولما غادرت كوبا إلى النمسا بغرض تعلم الموسيقا عرضت موهبتها على أول أسرة طرقت بابها وبدأت في رواية الأحلام مقابل مبلغ زهيد . ثم سرعان ما ضاعفوا لها الأجر بعد تحققهم من صدق رؤية أحلامها واكتنزت ثروة هائلة بوفاة رب الأسرة الذي لم يستثنها في وصية الإرث .
هذه المرأة الرائية المدعوة فريدا فروا اسم مستعار، فغارسيا لا يعرف اسمها الحقيقي، ستخبر غارسيا ذات ليلة في حانة يرتادها الطلاب الكوبيون بفيينا، بأنها حلمت به وعليه أن يغادر النمسا فورا ولا يرجع إليها إلا بعد خمس سنوات، فيغادر تلك الليلة ولا يرجع إلى النمسا أبداً .
الحكاية الثالثة التي تتفرع عن الثانية، مغزولة حول اللقاء التاريخي مع فريدا فروا في برشلونة بعد مرور سنوات . لقاء سحري بطعم خاص، لأن غارسيا كان بمعيّة بابلو نيرودا وزوجته ماتيلدا وأثناء تناول غذاء مع الشاعر في مطعم سمك، أخبره نيرودا بأن امرأة خلفه لا تكفّ تنظر إليه بفضول . وعندما التفت، اكتشف بأنها المرأة التي تحلم، أي فريدا فروا نفسها والخاتم الفرعوني لايزال يلمع في سبابتها . عندها حاول أن يثير انتباه نيرودا واقترح على فريدا فروا سرد حلم، ولم يبد نيرودا أي اهتمام بذلك قائلاً: الشعر وحده هو البصيرة .
عن هذه الحكاية الثالثة تتولد رابعة، متعلقة بمغادرة فيردا فروا للنمسا وبيعها لأملاكها هناك، واستقرارها ببورتو البرتغالية، وعلى هامش الحكاية الرابعة، تبزغ الحكاية الخامسة، المثيرة، عندما ينام الشاعر نيرودا في البيت الذي يحل فيه غارسيا ويستيقظ فجأة من قيلولته ويقول إنه حلم بتلك المرأة (فروا فريدا) تحلم به .
وهنا يتدخل ماركيز ويقول إنها مسألة بورخيسية .
وفي ذلك المساء، على السفينة التي ستقل نيرودا، كانت فريدا فروا، مستيقظة لتوها من قيلولتها على مقعد بالسفينة ذاتها، وفاجأت غارسيا حين أخبرته بأنها حلمت بالشاعر يحلم بها .
عند هذه الطفرة المتوترة من القصة، ترجع موجة السرد إلى الحكاية الأولى/الإطار . حكاية المرأة ذات الخاتم الفرعوني التي وجدت في سيارة ميتة، فبمرور شهور، سيلتقي ماركيز السفير البرتغالي في أمسية داخل فندق، ولا يفوّت أن يسأله عن المرأة التي كانت تعمل مدبرة لبيته، ويجيبه السفير بأنها امرأة استثنائية ولو تعرف إليها ماركيز لكتب عنها قصة حتماً، وسأله ماركيز مرة ثانية بشكل محدد عما كانت تعمله هذه المرأة، وفاجأه قائلاً: كانت تحلم .
تلك هي الحبكة العجيبة ذات البنية المركبة المؤسسة على توالد المجزوءات الحكائية، فكل مجزوءة تضمر التالية في ما يشبه علباً داخل علب على مستوى الاشتغال الجواني . وعلى مستوى الشكل/الإطار فخط الحكي أفعوانيّ يشبه الخاتم الفرعوني نفسه (مثل أفعى تعضّ على ذيلها: فرضية البداية تدعمها حقيقة النهاية بشكل سحري) .
من فضائل الساحر غارسيا ماركيز أن أنشأ بستان قصصه في معترك الرياح المندلعة من الجهات الأربع للأطلس الحكائي الكوني (بورخيس ورولفو وكاواباتا . . .) فاستلهام غارسيا للقص العالمي محض استمزاج ذوقي يصقله التخييل الذاتي ضمن تقاطعات ملحميّة الكتابة .
ومهما يكن من أثر هذه التجارب العاتية فنص غارسيا المفخّخ بالمتعة، يحتفظ بخصوصيته المدهشة وفرادة أصالته في الوقت نفسه: خصوصية السحرية ضد العقلانية الظلامية، وأصالة الغرائبية القائمة على استكشاف المجهول والخارق الذي يعيش معنا وفينا بشكل يومي.