غافة الشبهانة.. شهادة حسن سيرة
طيور حلقت طويلاً وهي تقرض من الشعر وتلحن الأبيات في بحر الرمل الإماراتي
* للمبدع علي أبو الريش
غافة الشبهانة، مظلة السلع، شاهدة عيان على يد أروت المكان بعذب الرؤية، وظللت الإنسان، ببداهة الرؤى وأعشبت الأرض بعذوبة الرأي.. الشبهانة الصورة والأسطورة، والقصة الطويلة لأحلام رجل من هذا المكان، في هذا الزمان، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، عندما وقف في عرض الصحراء، ولمح الشجرة العملاقة تبسط جذور الراحة على بطحاء يابسة إلا من فضاء يحدق في وجوه المتعبين، ويصفق بأجنحة الفراغ المتناهي عند حواف الجغرافيا، أمر المغفور له بأن يعنى بالشجرة السامقة، ويطوق جذرها العريق بأسوار من ماء وغذاء، وأن يكسي جذرها الطيب برعاية الأيدي الحانية..
اليوم تقف الشجرة الصغيرة حاملة في صفحات أوراقها مائة عام من التاريخ، وحولها شجيرات الغاف كواكب سيارة ترقب التاريخ وتنهل من عبق الأرض وترتوي من شرايين الماء المفعمة بالعذوبة.. غافة الشبهانة كأنها الكتاب المقدس وتحيطها الشجيرات نساك في محراب الإبداع الإلهي.. الشبهانة محفظة التاريخ، مخزونه الثري بحكايات الذين تآلفوا تحت ظلالها الوارفة، عاقدين مواعيد اللقاءت الحميمية، معتقدين بقناعة أن للشجر آذان وعيون تسمع ما تبثه اللواعج، من نبض وخض وترمي رفرفة الجفون وهي تقص حكاية ما قد سلف وتلف وكلف وحنف، وخف وخفض، وخاف من سر نفيس لأهل الأرض فيصبح الخبر المشاع.
الشبهانة عند تحاذي جذرها تسمع همس التاريخ وترى تضاريس الجغرافيا وتلاحظ في التجاويف حروفاً لجملة لم تكتمل بعد، فتوقن أن الشجرة الخالدة تملك من طاقة البقاء ما يكفي أن يورث لأجيال قادمة، ولعلها العبرة لمن يعتبر، فليس الجينات وحدها التي تحدد الخلود في الوجود، بل إن للإنسان من طاقة ما يجعله يضيف إلى بقية الأحياء، من حياة لتصبح القدرة المتفاقمة رغم أنف عوامل التعرية. الشبهانة جزيرة، والصحراء محيط، وفي هذه الجزيرة يسكن الوجدان البشري ويخيم، وحوله نوق الآمال العريضة، وبمحاذاته نبع الأحلام الذي لا ينضب ولا يغضب ولا يقطب ولا يحجب ولا يحتجب، ولا يسرب ولا يتسرب، لا يقلب ولا ينقلب، ولا يمكن أن يكون سوى أنه كائن مشروط بمزايا وسجايا ونوايا تمنحه الفرادة والزيادة في الكمال والجمال، ولا احتمال سوى أنه جذر في الأرض، سقي بماء المكرمات فاستعصى عليه إلا أن يكون الخلود الموازي للوجود الحق.
الشبهانة شهادة حسن السيرة لشعب نظف الوجدان بالطهارة، واستمد خضرة القلب من عشب الأرض، وأخذ الصفات الحميدة من شجرة تليدة ما ملت من تعاطي الطهر والتفرع في ثقافة الإنسان حتى أصبحت الثقافة هنا.. شجرة غاف لا يسقطها لهيب الشمس، ولا يهزمها الزمن، ولا تتخلى عنها التضاريس.
عند الشبهانة يتوقف الزمن، يمشي الهوينا، ويتوقف ويستقف الفكرة بظلال وجلال، وفروع طوال وأمسيات من قصائد مثيرة تلقيها على السامعين، طيور حلقت طويلاً وهي تقرض من الشعر، وتلحن الأبيات في سياق بحر الرمل الإماراتي، ثم تصفق الأغصان مبتهلة، مهللة، مجللة بالفرح والحبور لأن الشبهانة كالخنساء تكتب عن الخلود بريشة الماء ولون الأخضر، وتحفظ عن ظهر قلب أثر أقدام وخطوات نحتت العَرَق بشفافية التربة وحفرت الأسماء على كثيب خضيب خصيب، رهيب، منيف، عفيف، رهيف كلوف، لهوف لرؤية الوجوه، ومصافحة الزائرين وإلقاء التحية على تاريخ يتشرب خصباً من عبق الأنفاس المحبة، ويخب متعجلاً لكتابة آخر الرواية.. الشبهانة تشبه الفضيلة بالمعنى والفضيلة، لا تشبه إلا نفسها ولا تتساوى إلا مع جذر الشجرة الطيبة، شرايينه في الأرض وفروعه في السماء، ويقظته على التاريخ نباهة ونبل وخصال معرفة ربانية.. الشبهانة كإمرأة فارعة، متورعة، متوارية في النجب والحجب، هي كإمرأة من ذلك الزمان بفخامة خصر، ونعومة جذر، وامتلاء أمر، وجسامة خبر، ونبالة قِدر، ورشاقة عود، وسماقة وقوف وقعود، هي هيفاء، نجلاء تتسامح مع الأشياء ولا تسامح في الارتواء ولا يرون لها ظمأ إلا حنان يدين، ودفقة من خافقين، ولمحة من عينين تثري وتغري وتسري في العروق كأنها العذوبة.. الشبهانة سمة من سمات الخصوبة.
قلعة ونجمة
القطوف.. قلعة وشمعة ونجمة وغيمة، وخيمة ونعمة من نعيم الفكرة الموشاة بالحلم والنون والقلم.
قطوف ليوا، عزف منفرد على العود والصمود، وتغريد فريد عتيق في نواحي الأرض المباركة، قطوف ليوا القدرة والعبرة والنبرة وسدرة الوقوف على الأرض بطاقة التجلد بالصبر، قلعة قطوف تلوح بنان التاريخ، وتشير إلى أن على هذه الأرض حار من رحى في المساء، والضحى وضروس طحنت دقيق الأرض، وأحرقت خبز التراب، هنا في هذا المكن وقف الرجال بالنبال والحصال، يذودون عن حياض بدون امتعاض، ويقبلون على الحياة بقلوب عشبها الفرح وماؤها الإصرار والعزيمة.
قطوف القلعة، واللسان المتهجي لحروف الإنسان والبنيان والأشجان والألوان، وهي الفاصلة الواصلة ما بين جملة الماضي وجملة الحاضر، وهي منصوبة بفتحة الاكتواء والانضواء، الوطن يتجدد ولا يتبدد، يستجد ولا يستبد، يقف على كعبه العالي مستطلعاً الأفق برفق الحانيات، يقف مستدعياً طاقته ولباقته ولياقته وأناقته، وقامته واستقامته، وقائمة الفكرة وقوامة العبرة..
قطوف القلعة في المكان المختبئ في زاوية الأرض، تخبئ “علوم الدار” وأشياء من أخبار، وتسرد للزائر عن صفحات لم تزل بيضاء، لم يلمسها قلم، ولم تزل تحطب في الصحراء بحثاً عن نافلة لحروف الأبجدية، عن قافلة تجلت في الأبدية، عند فاصلة ما أنهت جملتها الخبرية، عن جملة مبتدأها وخبرها لم يزالا في الذاكرة الشفهية، عن فضيلة القبيلة الأولية، عن جدلية إمرأة نسيت مشطها الخشبي، ملوفاً في قامشة مخملية، عن عاشقة تمادت في لهفتها الأزلية، عن حماقة طارت فراخها وبقيت تردد هديلها أنشودة بابلية.
قطوف القلعة حلم أول النهار، آخر الليل، بداية البداية لخيول جاشت ولعاً للوقوف على قدمين وتشخيص الأفق بعيون من سماحة التاريخ، غرفت أدمعها، ومن رجاحة البصيرة عزفت نبضاتها سيمفونية الأبد.. قطوف القلعة، البالغة من العمر أمداً وأبداً وسرداً وسداً ووداً تفاريح الزمن بطين وحنين، ورائحة الياسمين، وبخور الغائبين، وكافور الذين ناموا بجوارها حراساً الدار للغناء، يخصبون الذاكرة بشواهد البقاء، وقدرة الذات على الحلول رغم المنون.
قطوف القلعة، المتجهة عميقاً في قلب ليوا، المشرقة بهاء في تضاريس المنطقة الغربية المقرفصة على حصير الزمن الشاخصة في الوجوه، مزملة بدفء وعبء وخبء بفاصلة الاستمرار، متأصلة بنقطة الانتظار لمن سيأتون ويحتفون ويحتفلون ويقبلون ويلونون ويزخرفون وينقشون على الجدران ما هفهف به الوجدان، واحتوى المكان من أشجان.
قطوف القلعة، حاشية من مآل ومقال وموال وأحوال، واستدلالاً على تبدل وتحول، وترتيل وبوح أصيل، قطوف القلعة تحدث ليوا عن حب وصخب وحدب، وفضاء رحب، وسماوات علا، رصعت النجوم لتضيء باحة قطوف بأنصع الحروف، وتجلب الكواكب لتكون منازل لمن كانت هاماتهم عند السحاب وفوق أرداف الهضاب، قطوف القلعة تحدث ليوا عن أغنيات البدو وأناشيد الذين قهروا الصحراء بسيوف العزم، وخير الكلم، وما فاضت به القلوب من حُلُم.. قطوف القلعة تاريخ ما أبدعه التاريخ، وتصريح أول لمكان ما أسدل الستارة عن مشاهد تتوالى في صنع الدهشة.. قطوف القلعة، شجرة وارفة، أبناء ليوا هم الذين وضعوا ثمار الخلود على أغصانها، هم نسجوا حرير طينها، هم صنعوا مجد شموخها ورسوخها.
الراسخة النابضة
المزيرع، الشامخة، كأنثى راسخة في الأشجان، نابضة في البلوغ، متوغلة في التاريخ، متحكمة في النبوءة، عن مكان كان في الزمان جسداً وجسراً وجسوراً، كان طوقاً لقبائل مرت من هنا، من هذا الرفيع المنيع، المتحصن بالأنفة ونخوة المنتمين إلى الأصالة، قلعة المزيرع بالحائط الطيني المستلقي على الأرض، كأنه الأمل المضيء، والبرج السامق المتسلق أدراج الفضاء، والغرف المتداعية المترافقة بهمس، وحولها المقبرة وكأنها تحرس الأرواح التي فاضت وبقيت هالاتها رسماً ووشماً وعلماً، وقلما يسحبك ما تبقى من سطور على صفحة الأيام.. قلعة المزيرع الوقور تقرر أنها المقر والممر الدائم للتاريخ، حافلة بالصور والمشاهد والخيال الجم المنعم بفضيلة العشاق، وما تطور من نسل الخافيات من الأسرار والأخبار لمن سكنوا الديار وما رحلت غير صورهم.. المزيرع كأنها أشجار ليوا تتشرب من التاريخ فتنمو في الذاكرة، خضراء بكبرياء النجباء وأحلام الذين زرعوا الطين حصوناً وأسقوا الحصون من عرق السواعد السمر، ونزفوا وغرفوا وعرفوا أن الحياة احتمال أكيد لعشاق أسسوا نباهتهم على التلاقي والتساقي من نبوع الأمل وينوع الإرادة ويفوع الطاقة المتجددة في الروح.