رجلٌ في الشمس
خيري منصور
* دار الخليج
عندما استشهد غسان كنفاني لم يكن قد بلغ السادسة والثلاثين، لكنّ ما أنجزه كان يحتاج إلى ضعف هذا العمر بإيقاع آخر غير إيقاعه الفذ، والديناميت الذي أعدّ له في سيارته الصغيرة كان يكفي كتيبة من الكتاب غير الفاعلين، بحيث طارت أصابعه مثلما طارت ذراع لميس ابنة شقيقته، لكأن المقصود بذلك الاغتيال فريق من الرجال وليس واحداً فقط، وغسان كان فريقاً بالفعل، يكتب في السياسة والأدب وينجز روايات ومسرحيات استحقت البقاء، ويرسم ويقاتل ويرأس تحرير مجلة، هؤلاء جميعاً كانوا يعيشون داخله، ولا ينقطع عن الكتابة إلا من أجل تصريح سياسي أو حقنة الأنسولين، فقد كان يقول إن السكر الذي أفسد عليه الحياة مبكراً جاء بمرتبة اعتذار عن المرارة التي كانت توأمه وتوأم جيله منذ النكبة .
عندما كتب روايته “رجال في الشمس” كان أزرق اليمامة وليس زرقاءها الذي رأى عن بُعْد أناساً يمشون على رؤوسهم فتعلو عيونهم على حواجبهم، وليس كما رأت الزرقاء أشجاراً تمشي .
لم يبرّئ نفسه وجيله من عبء الكارثة، فالرجال الذين جسّد بهم نماذج بشرية ماتوا اختناقاً في الخزان، لأنهم لم يدقوا بقبضاتهم على جدرانه الحديدية الساخنة .
وحين كتب روايته “عائد إلى حيفا” استبق الجميع في النقد الذاتي، فالعائلة التي تركت ابنها تربى مع أسرة يهودية وأصبح ضابطاً في الجيش، وحين عاد ذووه إليه أنكرهم كما تخلوا عنه، تلك رؤية بالغة الجسارة في زمن داجن، إذ علّق الناس كل ما لحق بهم على مشاجب المؤامرة، وأعفوا أنفسهم من أي عبء .
كان أولَ من كتب عن الأدب الصهيوني وافتضح هذا المجال الذي تم تسخيره للتضليل وتمرير الرؤى السياسية عبر نصوص أدبية . منه وحده وفي وقت مبكر عرفنا جورج إليوت وليمون أوريس وحاييم بياليك الذي أطلق اسمه على شارع رئيس في تل أبيب، وكان أول من عرّفنا بشعراء المقاومة الذين كانوا قبل يونيو/ حزيران مجهولين يناضلون ويكتبون ويسجنون في صمت .
إن أربعة عقود فقط لا تكفي لنسيان عبارة واحدة من رواياته أو سطر من دراسته الرائدة والجريئة عن ثورة العام 1936 والأسباب الحقيقية لإجهاض أطول إضراب في التاريخ .
كيف اتسعت ستة وثلاثون عاماً فقط لكل هذا؟ روايات وقصص أثّرت في ثلاثة أجيال، وأبحاث اجترحت آفاقاً كانت محرمة، وأخيراً استشهاد بكمية من الديناميت تكفي لتحويل خمسين رجلاً إلى أشلاء .
كان اغتياله على هذا النحو الانتقالي، الدليل على تأثيره، ففي زمن الأسوار المكهربة والأسلاك الشائكة، عبرت كلماته الحدود ووثبت على الجسور بلا تصاريح من الغزاة .
إن ما كتبه غسان كنفاني قبل نصف قرن كان نبوءات تحققت، باستثناء واحدة هي العودة وإن كان قد دفن بعيداً عن مسقط رأسه، فإن حوله من الشهداء من يسهرون في قبورهم ويقرأون رحيق ما كتب في جذور الزيتون والنخيل والسنديان . قال عنه عشية الاستشهاد محمود درويش إنه الغزال الذي بشر بزلزال . . وصدق الاثنان .