حمامة . . مجرد حمامة
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
يبدو الروائي الألماني باتريك زوسكيند مولعاً بأجواء الخوف والرعب الذي يهزّ كيان الإنسان كلّه ويحوّله إلى “جملة عصية” مشدودة أبداً إلى الاضطراب وعدم التوازن .
في روايته “العطر” يجعل من البطل “غرونوي” شخصاً باحثاً عن خلاصه المدمّر بأدوات قتل موجهة إلى فتيات في ريعان شبابهن ليستخلص من أجسادهن عطره المجنون الذي يسحر من يشمه ويحوّله إلى كائن هائم كمن يمشي في النوم .
كتب الكثير عن الرواية التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي لم يرق إلى قوّة الرواية وسرديتها الموجهة، إذ يبقى أحياناً للعمل الروائي ميزته الفنية التي تتفوّق على الفن السينمائي رغم أن السينما تجمع بين الصوت والصورة والإضاءة والموسيقا، فيما يكتفي كاتب الرواية بإيقاع واحد هو إيقاع السرد، ومع ذلك، مرة ثانية، قد تتفوّق رواية صغيرة على فيلم طويل .
مقدرة زوسكيند على جعل الخوف كائناً مادياً له ملمس لزج مدمّر على الرغم أن الخوف مجرّد شعور هذه المقدرة الإبداعية الفذّة لا تتمثل عند هذا الروائي الغريب الأطوار، فقط في روايته “العطر”، بل أيضاً في روايته “الحمامة” .
في رواية “الحمامة” لا تجري وقائع قتل، ولا توجد في الرواية شخصية معقّدة أو مركبة من مجموعة عقد كما هو الحال عند “غرونوي”، بل هناك حارس بنك يعيش وحيداً أو الأصح يعيش منعزلاً ومنكمشاً على ذاته في حياة مكثفة جداً بين العمل والبقاء في غرفة تحيط بها مشاعر الوحدة، لكن الرجل قابل بهذه الحياة التي تشبه السوار الذي يحيط به وتبعده عن كل البشر .
تلك هي حياة “جوناثان نويل” “الهانئة” الطبيعية والجارية كما رتابة الماء المتساقط من سقف، ولكن ذات يوم يحدث انقلاب في هذه الحياة عندما تظهر في حياة جوناثان حمامة . نعم مجرد حمامة تستقر أمام باب غرفته فيلوذ بالغرفة ويسجن نفسه فيها خوفاً ورعباً من الحمامة التي تدمّر حياته .
ما هذا الرجل المسكين الذي تدمّر حياته حمامة؟
ولكن، أليس هناك آلاف بل ملايين البشر من هم على شبه كبير بالسيد جوناثان نويل، تقبع أمام بيوتهم الكثير من الغربان والنسور الكاسرة، بل وتهددها الكثير من الوعول والذئاب والنمور الجائعة؟