في الأخير بندقية صيد
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
من يتذكر الآن الشاعر اللبناني الراحل خليل حاوي؟ من يتذكره . على وجه الخصوص، من شعراء التفعيلة وشعراء قصيدة النثر الذين كان بعضهم يفرّ هلعاً من القوة الإيقاعية في التفعيلة العروضية “فاعلاتن” وهي التفعيلة التي كان يستخدمها خليل حاوي كثيراً في شعره الذي يبدو موزوناً على بحر “الحجر”، وهو الذي عمل بنّاء وحجّاراً في شبابه عندما فقد والده مبكراً .
لم يترك حاوي سوى خمس مجموعات شعرية وبعض المختارات، ولكن هذه “الشعرية القليلة” تحمل الكثير من العبقرية الإبداعية التي وضعت صاحب “نهر الرماد” في الصف الأول من الشعراء العرب المجددين، في إطار ما يسمى الحداثة الشعرية العربية التي انطلقت شرارتها في خمسينات وستينات القرن الماضي على يد نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي من العراق، وانسي الحاج من لبنان، وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل من مصر، غير أن خليل حاوي لم يكن يحسب على تيار شعري بعينه، كما أنه، كان كما يقولون، يطير دائماً خارج سرب الحداثة الشعرية العربية، وراح ينحت من الحجر تمثاله الهارب مع الريح .
انظر إلى أسماء مجموعاته الشعرية لكي تخرج بانطباع ما من مجرد أسماء هذه المجموعات، فكيف لو توغلت في قراءة هذا الشاعر الذي طحن على بيادر الجوع . . يكتب حاوي “الرعد الجريح” و”من جحيم الكوميديا” و”الناي والريح” بعيداً تماماً عن العناوين والمداخل الشعرية الملونة والمزركشة . وربما من الطبيعي أن يكون حاوي على هذه الطبيعة الشعرية القاسية، لأن شخصيته تميل إلى العزلة والصبر والعصامية، العصامية، تحديداً، التي أقام عليها معمار شخصيته منذ أن توفي والده ليذهب إلى العمل في البناء والحجارة . والعصامية أيضاً التي جعلته يتعلم من نفسه وبنفسه معتمداً على حقيقته الإنسانية العميقة .
خليل حاوي شاعر تفعيلة، ولكن جزءاً جوهرياً من شعره يتصل بالروح العمودية الخليلية، حتى لو جاءت أشعاره على النسق التفعيلي إلى جانب ذلك لم يقترب من قصيدة النثر، وابتعد إلى حدّ كبير عن الغنائية الشعرية، لكنه ابتعد أكثر عن الخطابية والمنبرية وشعر الأيديولوجيا .
يقول محمود درويش في إحدى قصائده “وداعاً وداعاً لشعر الألم”، وكأنه بذلك يرثي خليل حاوي الذي كان شاعر ألم بامتياز .
في العام 1982 عام اجتياح القوات “الإسرائيلية” بيروت خرج خليل حاوي إلى شرفة منزله وأطلق النار على نفسه منتحراً ببندقية صيد، لكي يضع نهاية أخيرة وأبدية لصداعه وتوتره النفسي والوجودي العميق .
من يتذكر خليل حاوي؟ من الطبيعي أن شعراء ليسوا في مثل حساسيته وانفعاله الشعري المتوتر لن يتذكروه على الإطلاق .





رد مع اقتباس
