وفاء حتى الموت
* الاتحــاد الاماراتيـة
من أطرف ما وقعت عليه من نظم خلال بحثي عن ميراث النساء الشعري في الزمان القديم محاورة بين شاعرة تسمى أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر اليشكرية، وهي شاعرة من شواعر العرب، وزوجها الشاعر غسّان بن جهضم بن العذافر الذي كان مفتوناً بها، فلما حضره الموت قال لها:
أخبريني الذي تريدين بعْدي
والذي تصنعين يا أمَّ عقبه
تحفظيني من بعْد موتي لما قد
كان مني حسْن خُلق وصحبَه
أم تريدين ذا جمالٍ ومُلكٍ
وأنا في النيران في سُحق غربه
فأجابته:
قد سمعنا الذي تقول وما قد
خفته يا خليلُ من أم عقبة
أنا من أحفظ النساء وأرعاها
لما أوليت من حسْن صحبه
سوف أبكيك ما حييت بشجوٍ
ومراثٍ أقولها وبندبه
فلما مات خطبت من كثيرين فقالت:
سأحفظ غساناً على بعد دارهِ
وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشرُ
وإني لفي شغل عن الناس كلهم
فكفوا فما مثلي بمن مات يغدرُ
سأبكي عليه ما حييت بعَبرة
تجول على الخدين مني فتهمرُ
ولما طالت الأيام والليالي تناست عهده، وقالت: من مات مات، وقبلت الزواج من أحد خطابها. فلما كانت الليلة التي سبقت عرسها أتاها غسان في منامها، وقال:
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة
ولم تعرفي حقاً ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولاً حفاظاً لصاحب
حلفت له بتاً ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه
كذلك يُنسى كل من سكن اللحدا
فهبت من نومها مرتاعة، وقالت: ما بقي لي في الحياة من أرب بعد غسان وأخذت مدية وذبحت نفسها.
فقال زوجها: والله ما كان فيها مستمتع بعد غسان.
هامش: الأشعار مستلّة من المعاجم والكتب التالية:
◆ معجم الشعراء العرب، تأليف: خازن عبود.
◆ شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، جمع: بشير يموت.
◆ ديوان الحماسة لأبي تمام.
◆ أعلام النساء للزركلي.
◆ فصيحات النساء، تأليف: عفّت حمزة.