أوجاع "الهدهد"
محمد إسماعيل زاهر
* دار الخليج
قليلة هي الروايات التي تجذب القارئ منذ صفحاتها الأولى، تبدأ رواية ناصر عراق الأخيرة “تاج الهدهد” بواقعة تحول رجل جالس بجوار البطل معتز مختار في قطار إلى قرد، وبعد التورط في السرد المكتوب بضمير المتكلم وبلغة حميمية تتنقل بعذوبة بين شخصيات متحولة إلى حيوانات أو طيور تستمد مفرداتها من حكايات جدته العجوز مآثر ندرك أننا أمام شاب مريض نفسياً، يبكي أباه الأسد العجوز المريض ليلة وفاته، يحب زميلته في الجريدة التي يعمل بها التي تصاحبها دائماً فراشات ملونة، يستمع إلى نصائح الحمام إلى العاشقين، وفي المقابل هناك في الرواية المدعون والمنافقون والكذابون والأقوياء . . إلخ وهولاء أيضاً لهم نصيبهم من التشبيه بالثعالب والذئاب والضباع والنمور المفترسة، أما الهدهد فهو رفيقه الدائم الذي يصغى إليه دائماً في شوارع القاهرة .
تدور أحداث الرواية في الشهور القليلة التي تسبق ثورة 25 يناير في مصر وتنتهي يوم 9 فبراير/شباط ،2011 وقراءتها بعمق تؤكد أننا أمام عالمين يتنقل بينهما السرد بمنتهى الاحترافية، فهناك عالم البطل المتوحد مع ذاته والهارب من واقع يصفه عراق بالقول “كانت وجوه الناس تشي بالهم والكآبة” ، والعالم المعاش حيث شوارع القاهرة حاضرة بكل تفاصيلها وزواياها، بأحداثها وقواها الاجتماعية وتغيراتها السياسية المتلاحقة، وما يجمع بينهما معتز ابن الطبقة الوسطى المنهارة التي فقدت موقعها التقليدي وعجزت عن تحقيق أبسط أحلامها، لا يصارح معتز زميلته بحبه أبداً، هناك وجع كامن في روح هذه الشخصية كلما انتقلت من عالمها الافتراضي إلى التورط في ما يحيط بها بالفعل من وقائع، وجع يدفع معتز إلى تجاهل حب حقيقي من فتاة أخرى، ألم يجعله سلبياً متحفظاً إزاء الثورة في بداياتها الأولى .
في العالم الأول هناك بصيرة، تحلل البشر بمشرط أخلاقي ندر أن يستخدمه السرد مؤخراً، ويكتمل البناء النفسي للبطل متسقاً مع تكوينه الاجتماعي فهو وإن كان يدين هؤلاء بقوة في توحده وخيالاته فهو لا يكرههم، وفي العالم الثاني هناك شباب محبط، أصدقاء معتز، يدفعونه بقوة للانخراط في الثورة، وبعد نجاته من الموت في إحدى حوادث الثورة يصدم بمعرفة أن جدته مآثر لم يكن لها يوماً أي وجود، ويقرر بمساعدة بعض المحيطين به الذين لاحظوا مرض، الذهاب إلى إحدى العيادات النفسية، وتختتم الرواية بهدهده يقول له “ألف سلامة عليك يا معتز” .
الخاتمة جاءت أيضاً متسقة مع الرؤى الاجتماعية للطبقة الوسطى ومع فنيات وجماليات السرد الناضج، فلا يوجد تنبؤات حاسمة بالمقبل وكل التوقعات ممكنة، فهناك الرغبة في استشفاء هذه الطبقة ومن ثم النهوض والازدهار، وهناك الانكفاء المحتمل والعودة إلى عالم مواز، ومن هنا رمزية توقف الأحداث يوم 9 فبراير/شباط أي قبل واقعة التنحي بيومين، برغم أن تاريخ الانتهاء من الرواية كما هو مذيل في خاتمتها 27 فبراير/شباط 2012 ، هي رواية تبدو أحياناً مغرقة في تركيزها على الفرد، ولكنها في العمق توظف الفردانية للتعبير عن أوجاع طبقة تبحث لها عن موقع مميز ودور فاعل .