.
.
.
جحيم مُصغّر – والعياذُ بالله –
هناك بعض اللقطات في شريط حياتي
تتكرر وفي كل مرة تُعرض فيها أمامي
أُجلد بألف سوط*!
الذكريات حين تعود إلينا، تقتحم علينا حياتنا
بدون استئذان ، وقد تحمل معها مايسر، وقد تجلب الهم
والغم
وهذه المرة عادت إليّ ذكرى (مرام)
عندما كُنا في الصف الرابع الإبتدائي
(مرام) كانت طفلة مرحة وطيبة جدا ً
لم تربطني بها علاقة وطيدة
في يوم ستظل أحداثه عالقة في ذاكرتي إلى الأبد
تسببُ في ظلمها، ظلماً شديدا ً وآآآآه من هذا الشعور
الذي يمزق القلب تمزيقا ً
كان ذلك في حصة الرسم، ذلك النشاط المنسي
المعلمة خرجت لقضاء حاجة ما
لأذهب مع (الشلة) عند مكتبها في نوع من التسكع
وتمضية الوقت
وكنا بالمناسبة نمارس نوعاً من السُلطة على بقية الطالبات
وكان لبعضنا بعض العلاقات مع عدد من المعلمات
كانت المعلمة تضعُ على سطح مكتبها بعض القطع من مادة
تشبه الصلصال للعمل عليها
وكُن ّصديقاتي بينما نتحدث ونتجاذب أطراف الحديث
يلعبن بها ويغمسن أصابعهن فيها وقد أعجبهن ملمسها الطري
ثم اكتشفنا أننا لا نستطيع أن نعيدها إلى ماكانت عليه
فقمنا بقبلها رأسا ً على عقب أملا ً في أن ننجو بفعلتنا
ثم عدنا إلى مقاعدنا
وعند مجيء المدرسة اكتشفتْ بسهولة التخريب المتعمد
فانقلبت سحنتها، واحتقن وجهها، قبل أن تقول في هدوء مرعب:” من الذي
فعل هذا ؟! “
لا إجابة
كررتْ في بطئ شديد*: ” من – الذي – فعل – هذا؟ “
الصمت مرة أخرى
” فاطمة، قفي وأخبريني من التي فعلتها ؟!”
كانت فاطمة طفلة هادئة، وخجولة ( في حالها) كما يقولون
وقفت وأشارت إلى (مرام)، التي من ومن هول الصدمة
لم تستطع أن تنطق، ثم خرج صوتها ضعيفا ً متقطعاً مرتجفاً:
“ أنا .. لا … مالي دخل ”
لكن
في تلك الأيام كان التعليم قاسياً نوعا ما
وكنا ندفع ثمن الكثير من الأخطاء التربوية
قبل أن تنهي ( مرام ) جملتها وقبل أن يستوعب أي شخص ما حدث
كانت تلك العصا الخشبية الطويلة
أسرع منا جميعا .. وأقوى*!
طااااخ .. طااااخ .. شلاااخ*!!
انهالت المدرسة ضربا ً عليها وسط حالة من الرعب الشديد
أصابتنا بشلل مؤقت، أفقدنا القدرة حتى على النطق
لم نستطع الإعتراف ، لم نستطع التنفس
بكاؤها لازال صداه يتردد في أعماق وجداني حتى اليوم
أُصيبت فاطمة بإكتئاب شديد
حتى اليوم لا أعرف ما الذي منعها من قول الحقيقة؟
ألأنها خشيت منا ؟
خشيت أن نُسيء إليها ؟
حاولنا بعدها تعويض (مرام) بشتى الطرق
لكننا لم نعترف بذنبنا جهرة، خشينا أن نفعل
منذ ذلك الوقت وأنا أُجلد مئة مرة كلما تذكرت هذه الحادثة
عذاب الضمير أقسى وأدوم
فلو أننا لقينا جزائنا الذي نستحق لكان أرحم وأهون عليّ
مرت أكثر من عشر سنوات لم أر خلالها (مرام)
لكنها تركت لي حملا ثقيلاً
وذكرى أليمة، تعصف بي كما تعصف الريح في يوم
عاصف
صغر سني النسبي وقتها ، لم يشفع لي، ولم يُهوّن عليّ
أسئل الله ان يغفر لي ما كان مني، ويعفو عني
وأن يُنسي مرام تلك اللحظات الكابوسية
فإذا كنتُ لا أزال اتألم من فعل أمرِ سوء ٍفي صغري
فكيف بمن يظلم ويبطش، وقد غدا عند الله بالغاً مسؤولا ؟
يااااااارب عفوك.