
المصدر:أبوظبي - البيان
لله در أمهاتنا العربيات، ليست عنصرية ولكن من ذا الذي لا يوافقني الرأي وقد كانت هؤلاء الرائعات منذ الأزل السر الذي لم تبح به كتب التاريخ عن انبعاثنا بعد كل موت، هن نساء احترفن احتلال القمم، في الحب والقوة والحنان والضعف، هن المؤمنات اللواتي يقفن بعد كل نازلة ليقلن حسناً ثم يلملمن جراحهن ويعبرن بنا عبر ضفاف الجرح لنصل إلى بر الأمان ولنكون بهن ومعهن أقوى وأفضل.
من هؤلاء سيدة تناقلت وسائل الإعلام العالمية صورتها بعد أن أصدرت محكمة جنايات أبو ظبي الحكم على ابنها البالغ 19 عاماً بالإعدام مع آخر أوروبي، وفوجئ الجميع بها قوية متماسكة تخفف عن الأم الأوروبية التي انهارت على الأرض تبكي وتولول، بل وتوجهت بملامح القوة على وجهها إلى حيث احتجز ولدها لتقول له ألا يخاف وتواسيه بأن الحكم ابتدائي وأنها ستطعن بالحكم.
وأن العدل لا شك ستكون له الكلمة النهائية، هي كانت تمر على الجميع لتحدثهم بكلمة أو اثنتين لا أكثر ثم تبتعد مسرعة وكأنها تخشى أن يرد عليها أحد بكلمة ينهار بعدها هيكل القوة الذي اصطنعته في مواجهة موقف ندر أن تمر به أم، التي أيقنت بفطرتها أنها تحمل على كاهلها مستقبل أسرتها بعد أن أقعد الحدث زوجها مريضاً، وأن كل شيء سينهار إن ضعفت ولو للحظة.
ألم
لم تعش هذه الأم حياة عادية بل أياماً اصطبغت بكل أشكال الألم منذ نعومة أظفارها، فآلت على نفسها أن تجنب أبناءها كل ما مر بها، وعملت على ذلك بأن وفرت لهم الكماليات بنفس وفرة الضروريات، وألحقتهم بأعرق المدارس والجامعات وأغلاها لتضمن لهم مستقبلاً مميزاً وأحاطتهم بالحب والرعاية، ولكن وفي غفلة من الزمان تسلل أصدقاء السوء إلى حياة ابنها الصغير فسلبوه مستقبله ووضعوه موضع الشبهة عندما علموه تعاطي الحشيش ليجد نفسه متهماً بالاتجار بالمخدرات محكوماً عليه بالإعدام.
ومن منا مهما قدم لأبنائه من احتضان ورعاية، يستطيع أن يمنع عنهم رفاق السوء الذين يقابلونهم في كل مكان فيعيثون في نفوسهم عبثاً وتخريباً.
الأم لم تستطع حتى الآن أن تحدد متى تسلل هؤلاء إلى حلمها ليدمروه، ولكنها توقن بقلب الأم أن الضعف أصبح بالنسبة لها رفاهية لا تقدر عليها، فوقفت في ذلك الموقف الذي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستغراب لأنهم لم يعرفوا ما فعلت عندما غادرت المحكمة، في مساء ذلك اليوم اتصلت، وكانت الدموع في نبرة صوتها، كانت تبكي طفلها الذي سكن جسدها لتسعة أشهر وعشرة أيام رافضاً الخروج من رحمها حتى اضطر الأطباء إلى إخراجه رغماً عنه، وكيف أرضعته لعامين ونصف العام.
وقالت: إنها اشترت فاكهة المانجا التي يحبها وعندما أخرجت إحدى حباتها لتأكلها لمحت صورة ابنها وهو يأكل المانجا بشغف طفولي فغص قلبها بحسرة أغلقت عنه منافذ الحياة، ثم غسلت الفاكهة وجففتها بعناية ووضعتها بالثلاجة لتنتظر عودته. جعلت صورته في كل مكان من المنزل، ولا تزال ترتب غرفته في كل يوم وقد سمحت لدموعها بالهطول كلما كانت بمفردها، ثم تجلس لتتابع برامج الطهي الذي تعود صغيرها أن يشاركها مشاهدتها.
القوة والضعف
ولا تزال هذه المرأة تتأرجح بين لحظات القوة والضعف، ففي إحدى جلسات الاستئناف الذي أقامته على حكم الإعدام بحق ولدها، كانت تجلس باكية في مكان قريب من حيث يقف، وقد لاحظ الجميع ماعداها كيف كانت تمد جسدها نحوه، وكأن روحها التي تسكن خلايا هذا الجسد تسير بدون إدراك منها لتحاول لمسه.
وفي الجلسة التالية أخبرت كل من قابلها أنها ممنوعة من حضور الجلسة، ليظن أن القاضي هو من منعها، ولكنها كانت تقول بفخر ان ابنها هو من أمرها بذلك، وكأنها تحاول أن تعيش في تلك اللحظة مستقبلاً تخشى انه لن يأتي عندما يصبح رجلاً قوياً يأمرها وهي المرأة الضعيفة التي تطيعه، كانت تريد أن تسرق تلك اللحظة من المستقبل، وكانت سعيدة بذلك الإحساس.