مليار علامة تَعَجب
خيري منصور
* دار الخليج
لو تجرأ كاتب عربي ومَلأ الحيز المتاح له في مجلة أو صحيفة بإشارات استفهام وتعجّب لقيل إنه فَقَد الرشد، لأن مثل هذا العمل لا يتطلب ولو حداً أدنى من إمكانات الكتابة، وبمقدور أي كائن أن يفعله، لكن هناك لحظات تمر بها الشعوب يتوارى فيها المنطق، ويُقبل الناس على نهر الجنون كي يستطيعوا التأقلم مع بعضهم ومع ما آل إليه الحال . والفترة بين الحربين العالميتين في أوروبا أفرزت تجارب من هذا الطراز، حملت أسماء عدة منها ما هو مفهوم كالسوريالية، ومنها ما هو مجرد كلمة بلا أية دلالات هي الدادائية، وكان هذا الجنون الإرادي تعبيراً عن شجب جذري لثقافة أفرزت حرباً كونية، خلفت ملايين الأيتام والأرامل، إضافة إلى الأطلال، ولدينا الآن في عالمنا ما يدعو إلى الإفراط في استخدام علامات التعجب، إضافة إلى علامات الاستفهام .
لكن علينا أن نشيح بوجوهنا عن رجل يربط عربته أمام حصانه وعن آخر يحمل مثل جُحا حماره على كتفيه، وواعظ يقدم للناس قوائم بالضار والنافع لكنه ما إن ينصرف إلى مهنته حتى يسخر من زبائنه، ولا يهمه إن قيل له: لا تَنْهَ عن خُلُق وتأتيَ مثله، وما يراه الآخرون عاراً عليه يراه هو غاراً على رأسه .
كيف نُصدّق ما نسمع إذا كان ما نشاهده على النقيض من ذلك؟ فثمة ساسة وناشطون تحسبهم في المناسبات الموسمية فدائيين يقضون إجازة قصيرة مع ذويهم، ثم تكتشف بأنك مخدوع حتى النّخاع، لكن عليك أن تتكتم على هذا السر، لأنه ما من أحد سيصدقك .
إننا نعيش زمناً لم يزدهر فيه شيء، إضافة إلى منجزات التكنولوجيا كالأقنعة فهي من كل الألوان والحجوم، وبإمكان هابيل لو بعث حياً في أيامنا، أن يرتدي قناع قابيل، وبإمكان اللصوص أن يرتدوا أقنعة القضاة، وما هذه الثرثرة التي لا تهدأ عن القيم والمواعظ والتحذير من الخطايا، غير نمط إنتاج جديد، له مصانع ومختبرات لا تحصى، وبكل اللغات، ولو تجرأ رسام في أيامنا على رسم حذاء ستالين مثلاً وهو بحجم جبل قياساً إلى المارة بالقرب منه وهم بحجم الصراصير، لسخر الناس منه وردعوه، كي يعود إلى رشده، ولو رسم أحدهم لوحة من طراز ما كان يرسمه سلفادور دالي، لقيل إنه مجنون ويجب الحَجْر عليه فوراً .
أما مسرحيات العبث واللامعقول التي كتبها أمثال بيكت ويونسكو وأرابال، فهي عقلانية جداً إزاء ما يحدث الآن في الشارع والميدان وليس على خشبة المسرح فقط .
كيف تفهم أن قتل البشر بالجملة هو أقصر الطرق إلى تحقيق الحرية والسيادة والاستقلال، إلا إذا كنت قد سمعت بذلك الحوار المجنون بين جنرال أمريكي وأحد ضباطه في فيتنام، حين سأل الضابط سيده الجنرال، لماذا أمر بتدمير قرية آسيوية بكل ما فيها ومن فيها، فأجاب الجنرال:»من أجل إنقاذها«، فهل يليق بهذا المنطق المضاد للعقل وحتى للغريزة الطبيعية غير إشارات التعجب!
القتل باسم الحرية، يقابله قتل آخر باسم الديمقراطية، وثمة قتل ثالث باسم الدفاع عن الأوطان، وحاسوب الدم يجمع أرقاماً ولا يسأل، ووكالات الأنباء تواصل البث .
المثقفون الغربيون يحسدون المثقف العربي على وقاره وتماسكه ولا يعرفون أن الساسة ينوبون عنه في السوريالية والدادائية ومسرح العبث .