الاغتيال
خيري منصور
* دار الخليج
تختلف دوافعه وكذلك النتائج المترتبة عليه، لكنه من حيث الجذر واحد في كل دلالاته اللاأخلاقية واللاإنسانية، التي تبقى دون شريعة الغاب والكهف، لأن الحيوانات لا تغتال بعضها إلا بسبب الجوع والآدمي هو الذي انفرد بالقتل المجاني أو القتل من أجل القتل . والاغتيال بمعزل غن حَجْم ودور وأهمية ضحيته هو بحد ذاته إعدام يشمل البشرية ولو كان ذلك من خلال فرد واحد منها . لكنه أحياناً وفي الحالات ذات العلاقة بالسياسة وصراعاتها قد يكون عود الثقاب الذي يحرق غابة، أو القشة التي تقصم ظهر السلم الأهلي في بلد ما .
والاغتيال تعبير دقيق عن كل مُضادات المواجهة والشجاعة، لأنه يأتي من الخلف ويباغت الضحية وهي عزلاء أو مستغرقة في أي شجن دنيوي بلا أي حذر، وقد تمارسه الأفعى أحياناً لكن بسبب الخوف أو لأن السم الذي يتدلى من عنقها تنوء بحمله فلا بد من إفراغه . لكن الإنسان حين يقدم على هذا اللدغ الجبان فهو يشرع قتل نفسه أيضاً وهو آخر من يعلم، لأن من يلجأ إلى هذه الوسيلة لن يسلم منها، ولم تكن مصادفة أن مات معظم مخترعي أدوات التعذيب والاغتيال بأدواتهم ذاتها عندما انتهى دورهم وفقدوا صلاحية البقاء .
وفي عالمنا العربي لم يكن الاغتيال على هذا النحو المتكرر سائداً قبل نصف قرن، لهذا يستشهد الباحثون في هذا المجال بما حدث في مصر خلال عقود عدة حيث لم يتم الاغتيال السياسي غير بضع مرات وحصراً للنقراشي باشا الذي اغتاله الإخوان المسلمون بعد أن اتخذ قراراً بحل الجماعة وبطرس غالي وأمين عثمان . لكن متوالية الاغتيالات التي بدأت منذ أقل من نصف قرن في عالمنا العربي تحتاج إلى تحليل، لأنها أصبحت ظاهرة وليست مجرد حالات استثنائية يمارسها منحرفون نفسياً أو مرضى من الساديين، فقد تم اغتيال علماء وأكاديميين بارزين وأدباء وصحفيين وناشطين بشكل لافت، سواء في لبنان أو العراق أو مصر أو الجزائر إلى آخر الخريطة، والقدر وحده حال دون موت نجيب محفوظ اغتيالاً لكيلا تكتمل الفضيحة السياسية والأخلاقية، خصوصاً أن الاغتيال أعقب فوزه كأول أديب عربي بجائزة نوبل .
واغتيال مدير فرع المعلومات في الأمن اللبناني، وسام الحسن، لن يكون خاتمة المطاف، والخشية هي أن يكون فاتحة سوداء أخرى لمسلسل من تصفية الحسابات بالقتل، وما يضاعف من وحشية وهول الاغتيال أنه أصبح يسجل ضد مجهول أو يتوزع دم ضحاياه بين القبائل والأحزاب والمافيات، لأن تقنية الاغتيال تقدمت أيضاً، وثمة من يصرون على تحديث وسائل التعذيب والقتل بدلاً من تحديث أنماط حياتنا شبه البدائية وتطوير أدوات الفلاحة والتعلم والصحة في مجتمعات لم تدخل بعد إلى هذا القرن .
ولا أظن أن هناك إحصائية دقيقة يمكن الركون إليها عن عدد من قضوا اغتيالاً في الوطن العربي خلال العقود الأربعة الماضية، لأن منهم علماء وأساتذة ومن التكنوقراط، وهؤلاء ليسوا ناشطين سياسياِ، واغتيالهم هو تنفيذ لاستراتيجية إفراغ هذه الأمة من العقل والمعرفة .
وما من اغتيال يتوقف عند ضحيته فقط، لأن هذا الاغتيال يفتح »صندوق باندورا« المليء بالشرور في بلد برمته أو حتى لدى أمة بأسرها وأسراها معاً . وأفضل توصيف لفلسفة الاغتيال في عالمنا العربي هو انتحار الجريح . فنحن أمة من الجرحى سواء في الجسد أو الذاكرة أو الوجدان القومي، والاغتيال هو إجهاز على ما تبقى .