كفى تعميماً واختزالاً
خيري منصـور
* دار الخليج
ليس من حق أي إنسان أن يُغلق الأبواب والنوافذ ويضع على السقف والجدران موانع صوت، ثم يقول إنه لم يشهد قطرة واحدة من المطر، أو نسمة هواء، وهذا هو أدق توصيف ممكن لمن ينكرون دور المثقف العربي بالجملة، فليس ذنب هذا المثقف أن يكتب ولا يجد من يقرأه، والخطأ المتكرر الذي نقع فيه هو التعميم سواء تعلق الأمر بالحكم على النخَب أو أية ظاهرة أخرى، فالمثقفون العرب لم يكونوا لقرن مضى في قارب واحد وليسوا متشابهين كسلة مليئة بالبيض بحيث يُحكمُ على دورهم بلا التفات إلى الخصائص، ولما دفعه بعضهم من ثمن لحريته واستقلاله ودوره التنويري .
نعرف عشرات منهم قبعوا في الزنازين ونعرف آخرين طوردوا وحوربوا في لقمة العيش وانعكس ذلك كله على أسرهم وأطفالهم، مقابل أعداد غفيرة ممن لبسوا لكل حالة لبوسها، وبدلوا مواقفهم بأسرع مما تبدل الحرباء لون جلدها، لكن ليس للأسباب ذاتها فالحيوان يضطر إلى التحايل دفاعاً عن بقائه وبسبب الخوف، أما البشر فإن لديهم ما هو أبعد من ذلك، وهو التطلع إلى الكسب حتى لو لم يكن مشروعاً وإلى تحقيق الأحلام بأقصر الطرق وبأدنى تكلفة .
نستطيع أن نقدم قائمة بأسماء مثقفين في عالمنا العربي من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه تشبثوا بالجمرة حتى أحرقت أصابعهم ولم يعتذروا عن وعيهم، ولم يقولوا إن الأرض لا تدور والتاريخ ماكث مكانه بحثاً عن النجاة . لكن العزوف عن القراءة ومتابعة ما يُكتب هو السبب في أن أمطار هؤلاء رغم غزارتها كانت تتساقط في غرابيل واسعة الثقوب . لهذا نشعر بالأسى عندما نرى كاتباً إسبانياً هو غواتسيلو يقدم تحليلاً تاريخياً وسياسياً للمتغيرات العربية من منظور خلدوني، وكأن ابن خلدون كتب مقدمته عما سوف يحدث بعد قرون وليس فقط عما حدث في زمنه، ليس لأنه يتنبأ بل لأنه فهم قوانين النمو والتخلف ومسار التاريخ .
وما يُنشر أحياناً من إدانات توزع بالجملة على النخب العربية به الكثير من الإجحاف وخلط الأوراق، ربما لأن هذه الإدانة تبرئ الناس من تهمة العزوف عن القراءة، فالأمية سواء كانت أبجدية أو بالمعنى الثقافي العام هي أشبه بالليل، الذي قال هيغل إن الأبقار كلها تصبح سوداء فيه .
قدمت النخب الثقافية العربية شهداء سواء برصاص الأعداء أو برصاص ذوي القربى، وقدمت أيضاً شهود حق تصدوا ببسالة لشهود الزور، ومنهم من نُكل به في صمت رغم أنه نادى واستغاث، لكن: لقد ناديت لو أسمعت حياً .
يبدو أننا بحاجة إلى فرز عادل وموضوعي كي لا نتورط مجدداً في التعميم وخلط الحابل بالنابل ومن ثم خلط الاثنين معاً بالقاتل، لكن من هو الطرف الذي يملك الغربال لهذا الفرز؟ إذا كان متعهدو خلط الأوراق ودهاقنة التضليل بالمرصاد كي لا يضبطهم الناس متلبسين بعريهم وعارهم .
كفى تعميماً واختزالاً مُخلاً كي لا نتجنى على من يستحقون العرفان . فالاختزال هو نتاج كسل ذهني، وإدمان عادات تفكير تُعيد انتاج بعضها في كل زمان ومكان .
وعلى سبيل الخيال الافتراضي فقط، تعالوا نغمض أعيننا قليلاً ونتصور ما كنا سنصل إليه لولا هؤلاء الذين احترقوا ليُضيئوا على الأقل منذ أواسط القرن التاسع عشر الذي عوقب رواد نهضته بمصائر نحن في غنى عن ذكرها وتكرارها .