الثورة التي التهمت شعراءها
شوقي بزيع
* دار الخليج
يحتل الأدب الروسي، رواية وشعراً، مكانة متميزة على خريطة الأدب العالمي وبخاصة في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين . ففوق قارة الصقيع والسهوب المترامية تلك نمت أكثر الشاعريات اتصالاً بالألم والتعلق بالحياة والتمزق الروحي الضاري، كما كان الحال مع بوشكين وليرمنتوف وبلوك وماياكوفسكي . وفوق القارة نفسها شهدت الرواية في العالم بعض تجلياتها الأروع لدى تولستوي وغوفول ودوستويفسكي وغوركي . ومع ذلك فإن تلك القارة الإبداعية ظلت شبه مجهولة بالنسبة إلى القارئ العربي، وبخاصة في شطرها الشعري . فإذا كان المترجمون العرب قد أولوا اهتماماً لا بأس به بالرواية الروسية في القرن التاسع عشر، فإنهم لم يعطوا لترجمة الشعر الاهتمام نفسه بحيث بقي كبار الشعراء الروس، باستثناء بوشكين، مجرد أسماء غامضة ومبهمة في ذاكرة القراء العرب .
والغريب في الأمر أن فترة نهوض الأحزاب الشيوعية العربية إبان الحقبة السوفييتية، والتي انعكست على المستوى الأيديولوجي عبر ترجمات كثيرة لرموز الفكر الماركسي، لم تشهد في المقابل اهتماماً موازياً بشؤون الإبداع والثقافة والفن . والنماذج القليلة التي تمّ تعريبها هي تلك التي سمح بها الحزب الحاكم في الاتحاد السوفييتي السابق، وجلها يتصف بالمباشرة والرداءة والاستجداء للسلطة المهيمنة .
من هنا يأتي كتاب الناقدة اللبنانية المتخصصة في تاريخ الفنون زينات بيطار “العصر الفضي في الشعر الروسي”ليسد حاجة القارئ العربي الملحة للوقوف على جماليات الشعر الروسي ومشاغله التعبيرية والإنسانية لحظة اجتيازه واحداً من أخطر المفاصل السياسية والوجدانية في تاريخ روسيا المعاصرة . ولم يكن اختيار بيطار للمساحة الزمنية الممتدة بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن الذي يليه مجرد صدفة محضة، بل بدا محاولة متعمدة لإنصاف ذلك الجيل النادر من الشعراء الروس الذين اندفعوا في مغامرة الحداثة والتغيير حتى تخومها القصوى، غير آبهين بالسيف الأيديولوجي المسلط على رؤوسهم جميعاً والذي قاد معظمهم بعد ذلك إلى مصيره المأساوي الفاجع . وإذا كانت تسمية تلك الحقبة بالعصر الفضي للشعر الروسي ناجمة عن رغبة النقاد في تمييزها عن الحقبة الذهبية الأولى المتمثلة ببوشكين وليرمنتوف وآخرين، فإن ذلك لا ينبغي أن يوضع في خانة التصنيف النقدي التراتبي، لأن بين هؤلاء أسماء كبيرة أسهمت في تطوير الحساسية الشعرية في روسيا ووضعها في قلب الحداثة تماماً .
ثمة بين الأسماء المختارة من انتصر للمدرسة الرمزية التي أوصلها بودلير ورامبو ومالارميه وفاليري إلى ذراها الأخيرة، كما هو شأن فيتشلاف إيفانوف وفاليري بريوسف . وثمة من انحاز إلى المستقبلية، تماشياً مع حركة المستقبليين الروس في الفن التشكيلي، شأن بوريس باسترناك ومارينا تسفيتايفا، في بعض مراحلها . وثمة من انحاز إلى الرومنسية الجديدة ممثلة بحركة “ورشة الشعر”التي حاولت المواءمة بين تراث روسيا العريق وبين اقتراحات الحاضر وتحولاته، كما هو حال غوميليوف وآنا أخماتوفا وماندلشتام . وثمة من تابع المهمة التي تنكبها ألكسندر بوشكين في إخراج اللغة الروسية من بلادة القواميس وتفجير طاقاتها الروحية والجمالية الكامنة، كما هو شأن ألكسندر بلوك . لكن القاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً تمثل في تنسكهم للشعر واللغة والفن وفي تخليص الإبداع من ربقة الأيديولوجيا وتعاليمها الجاهزة والمعلبة . وما جمعهم أيضاً كان اشتغالهم جميعاً في ترجمة الأعمال الحداثية الرائدة والوافدة من الغرب الأوروبي والأمريكي، وتفاعلهم مع هذه الأعمال من دون أن يفقدوا الاتصال بجذورهم المحلية .
لكن ما شكل القاسم المشترك الإضافي بين تلك الكوكبة من الشعراء الروس هو المصائر المفجعة التي قصفت أعمارهم في ريعانها، والتي توزعت بين الموت انتحاراً أو اغتيالاً بسيف البطش السلطوي، أو تهدماً على أرصفة المنافي، أو سقوطاً بين أنياب الفقر المدقع والأمراض التي لا شفاء منها . قلة من بين هؤلاء تجاوزت الأربعين من العمر وأكثرهم قضى انتحاراً أو اغتيالاً أو بما يشبه الاغتيال بين عامي 1921 و1922 . مايا كوفسكي وبسينين وتسفيتايفا وتوني ملترين غوسليوف يتهم بمعاداة الثورة ويقتل على يد ستالين الذي يزج بدوره ماندلشتام في أقبية الزنازين لكي يلقى حتفه محبطاً ووحيداً . ألكسندر بلوك وخليبنكوف وبريوسف يقضي كل منهم بمرض “غامض”. أما آنا أخماتوفا التي قتل ستالين زوجها الشاعر غوميليوف وألقى بابنها الوحيد في غيابة السجون فتصر على البقاء في بلادها متحدية سطوة الجلاد بقوة النص وبهاء الشعر، وهاتفة من قاع الألم: “الدون الهادئ ينساب رائعاً/ والهلال الأصفر يقتحم البيت/ يدخل معتمراً قبعته ليرى الظل/ هنا امرأة مريضة/ هنا امرأة وحيدة/ ابنها في السجن وزوجها في القبر”.