صباح الكتاب أيتها الشارقة
مؤيد الشيباني
* دار الخليج
صباح الخير أيها الأصدقاء
. . صباح الكتاب أيتها الشارقة، هذه الآن روح جديدة تنبعث من ذاكرة حيّة مثل روح الكتاب العامرة بالحياة، وقارئه العامر بالمعرفة . .
وهذه الآن لحظة خروجي من البيت في شارع جمال عبدالناصر، في منتصف الثمانينات والوقت يتراوح بين أجواء ديسمبر، أو يناير، حيث كان يقام معرض الكتاب . .
وهذه الآن تلك اللحظة الصباحية الندية المصحوبة أحياناً بحبات مطر خفيف يبلل الأرض والروح، حيث أهبط من الدور الثاني لأصعد ثانية إلى أدوار عالية في عالم العناوين والأصدقاء في المعرض، الذي هو ليس بعيداً، حيث يبدأ بابتسامة وترحيب الدكتور يوسف عايدابي ولا ينتهي باللغة الجميلة لقراءات وتقديمات الأديب والمسرحي محمد عبدالله، وحيث الجميع في انتظار تلك الجولة الحميمية المتأنية التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لدى افتتاح المعرض سنوياً، الجولة المفعمة برائحة السعي للبناء والتأسيس الثقافي الرصين، التي غالباً ما تبدأ بين التاسعة صباحاً، وتنتهي في الواحدة تقريباً حيث يمر سموه على جميع الأجنحة ويتحدث مع جميع العارضين، ويقلّب مختلف العناوين، بل ويتوقف لمعرفة المزيد عن الجديد والقديم بين عشرات الآلاف من الكتب التي تشهد تنظيماً فاخراً وتقسيماً يتوزع على أجناس المعرفة وعناوينها، وهو ما أدى بتراكمها السنوي إلى خبرة كافية لأن يتحول المعرض إلى واحد من العناوين العالمية بكل مقاييس الجودة .
في واحدة من تلك الجولات كنت أقف في جناح اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات إلى جانب كتابي الذي صدر عام 1994 (عزف على خشب السدر قراءة ميدانية مكانية بدولة الإمارات العربية المتحدة)، في تلك اللحظة وصل إلى الجناح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي برفقة ضيوف المعرض، منهم المفكر الكويتي الراحل الدكتور أحمد الربعي وعدد من المسؤولين، كانت لحظة عامرة بالفخر والاعتزاز، وأنا أهدي سموه نسخة من الكتاب، وهو مضمون مكاني ميداني جمعته من مرحلتين، الأولى في الثمانينات، والثانية في السنوات الأولى من التسعينات، وكانت المحصلة حوارات وزيارات بعيدة أو قريبة امتدت من خورفكان إلى حتا، ومن العين إلى المنطقة الغربية، ليس بأسلوب توثيقي بقدر ما هو أسلوب التعايش الشخصي مع المكان واختبار إمكانية التفاعل والفهم لطبيعة هذه الأمكنة وأهلها وما يتصل بحياة الناس في الماضي .
إن طبيعة التواصل المهني (صحافة ومتابعة وحضور ميداني إعلامي)، سخرت لنا مع العارضين وطبيعة عناوينهم علاقة واسعة جعلتنا نعرفهم جميعاً، لنا معهم علاقات ودية تحولت بعد سنوات إلى ما يشبه الفهم المشترك لمحتوى مهنة الكتاب والنشر، وهو ما سهل لنا الحصول على إمكانية رؤية عناويننا البسيطة ضمن منشورات تلك الدور التي ننتظرها بفارغ الصبر تحت خيمة معارض الكتاب في الإمارات . .
ليس ثمة أجمل من مواكبة الأمسيات الشعرية التي تقام على هامش معرض الكتاب، تلك الساعة الشعرية المفعمة بالشوق لسماع محمود درويش، أو قاسم حداد، أو بلند الحيدري وآخرين، لكن الأجمل هو ذلك اللقاء الذي يعقب الأمسية في أروقة المكان، وقد يطول هذا اللقاء من خلال التوجه إلى مقهى المعرض، ذلك الحيز الدافئ الذي تتسع فيه دائرة المقاعد لتصل أحياناً إلى عشرين مقعداً نجد أنفسنا وقد رتبناها بشكل عفوي حتى اللحظات الأخيرة من المساء . ذلك ما يحدث تماما في معرض أبوظبي طوال سنوات التسعينات وما تلاها من دورات لاحقة .
في المركز القديم بجوار جريدة “الخليج«، ثمة عدد لا بأس به من الكراسي البيضاء مبعثرة على مساحة من العشب على شكل مرتفع بسيط، هناك كافيتريا صغيرة متواضعة للشاي والقهوة، بينما الهواء البارد الجميل والحديث الثقافي يأخذ الجالسين مصادفة إلى حنين عذب . . وأحياناً تنتهي الأحاديث ليبدأ الصمت، لكن ليس طويلاً، ففي كل خمس دقائق مثلاً يطل شخص آخر يجدد دماء الجلسة، تلك هي الحال في سلام الحياة . .
معرض الكتاب في الشارقة مساحة مضيئة، هي موسم البهجة التي يلتقي فيها البعيدون، ونشأ من أروقتها جيل من الشعراء والكتّاب الإماراتيين والعرب على مدى أكثر من ثلاثين سنة . إن أولى سنوات العلاقة الجميلة مع أسماء كبيرة، كانت من هنا، حيث الثمانينينات، وحيث البرامج الفكرية المصاحبة للمعارض، وحيث درويش، والبردوني، والبرغوثي، والبياتي، والحيدري، وحيث كل تلك الأسماء الجميلة التي رحلت!!
بدأ معرض الكتاب في الشارقة سنة ،1982 وكان يقام في خيمة واسعة في مركز أكسبو القديم مقابل بلدية الشارقة (خلف مبنى البريد اليوم) حيث بدأت معرفتي بأيام المعرض في دورته الرابعة، ثم انتقل إلى مركز إكسبو بجوار مبنى جريدة الخليج في منطقة الخان، وبعد ذلك إلى المقر الجديد للمركز في شارع التعاون، هذا المعرض تحوّل إلى أحد أهم المعارض الدولية بامتياز من ناحية عدد المشاركين، وطبيعة دور العرض العربية والعالمية والتوسعة الكبيرة في البرامج الفكرية والفعاليات المصاحبة لأيام الكتاب سنوياً .
لا يمكن إجراء عملية إحصاء سريعة وعابرة للأدباء والشعراء الذين شاركوا في سنوات المعرض حيث تجول في أروقته وقرأ على منصاته الشعرية أدونيس، عبدالوهاب البياتي، محمود درويش، سليمان العيسى، عبدالله البردوني، سميح القاسم، مريد البرغوثي، بلند الحيدري، سركون بولص، محمد علي فرحات، شوقي بزيع، محمد علي شمس الدين، وغيرهم، وغيرهم، إلى جانب شعراء الإمارات حبيب الصائغ، كريم معتوق، ابراهيم محمد ابراهيم، سالم الزمر، عبدالعزيز اسماعيل، خالد البدور، أحمد راشد ثاني وعشرات الشعراء الموزعين على أجيال الإمارات .
كانت البرامج الفكرية والثقافية المصاحبة لمعرض الشارقة تقام في القاعات والأمكنة الثقافية ذات الذاكرة الوهاجة بالأسماء والفعاليات، حيث يقام في قاعة إفريقيا إلى جوار مبنى البلدية جزء من تلك الفعاليات، ثم انتقلت إلى مسرح المركز الثقافي في دوار الكتاب أو في القاعة الموجودة ضمن مركز إكسبو لاحقاً، فما أن يبدأ المساء حتى يتجمع الجمهور لمتابعة عشرات المحاضرات والندوات والأسماء الثقافية والفكرية من مختلف الأقطار العربية، ولعل ذاكرة تلك الأيام تحتفظ بأسماء وشخصيات مرت من هنا . وهي تحمل الكثير من الإضافات والحضور الخلاق على مدى ثلاثة عقود، بدءاً من الراحل الدكتور أحمد الربعي، وليس انتهاء بالراحل المفكر روجيه غارودي .
ليس أخيراً . . هذه الآن وقفة محمود درويش في قاعة إفريقيا أو في قاعة المركز الثقافي، وهذه أيضاً ذاكرة العام 1983 حيث كانت مجلة الكرمل حديثة الصدور من قبرص، تصل إلى القسم الثقافي في جريدة الوطن في الكويت وكنت أول من يحصل عليها من خلال الاشتراك السنوي، لأن رئيس تحريرها وكاتب افتتاحيتها محمود درويش .
وفي العام 1986 كان الترقب حاراً ونحن نجلس على مقاعد قاعة إفريقيا في الشارقة بانتظار أن يطل الشاعر في أمسيته . . وأطل .
الشارقة دائماً ساحة ثقافية عامرة بالحياة، وهو ما رشحها لأن تتبوأ مقعد عاصمة الثقافة العربية في العام ،1998 وهو العام الذي أطل فيه محمود درويش ثانية في أمسية شعرية بالمركز الثقافي، وأيضاً لم يتناقص الجمهور، بل كان واقفاً خارج القاعة بينما الداخل يضج بصوت قصائده . جميل أن تشهد أمسية لمحمود درويش، في الشارقة تحديداً . .
وأظنها كانت أجمل أيام العمر . . .