غزّة اليوم والبارحة
خيري منصور
* دار الخليج
احتفظ لاجئ فلسطيني عام 1948 بعدد من الصحف التي صدرت في ذلك العام الذي سمّي عام النكبة، رغم أن النكبة من فعل الطبيعة وليس من فعل التاريخ، ولم يكن يخطر بباله بعد أن احتفظ بمفتاح منزله مايقارب العشرين عاماً، أنه سيدفع إلى اللجوء مرة أخرى بعد حرب يونيو/ حزيران . أما هدية هذا اللاجئ مرتين للجيوش التي خذلته وخيّبت أمله فقد كان إبراز صحف عام 1948 ومقارنة “مانشيتاتها” بما نشر على صدر الصفحات الأولى عام 1967 .
كان المتغير الوحيد هو شكل الطباعة، وما طرأ على الصحافة من تطور تقني، أما العناوين فهي ذاتها، وإن كانت أسماء المدن قد تغيرت . . فبعد اللد والرملة أصبحت هناك نابلس وجنين، وبعد القدس الغربية أصبحت هناك القدس الشرقية، أما المخيمات ووكالة الغوث والجامعة العربية والمذكرات والشعارات والوعود، فهي ذاتها لم تتغير .
واليوم الذي يشبه البارحة، فإن بإمكان الصحف العربية وكذلك الفضائيات، ألا تُكلف نفسها عناء نشر مقالات وتعليقات جديدة عن العدوان على غزة، ومسلسل الاغتيالات لقادة المقاومة فيها .
يكفي إعادة نشر ما كتب عام 2008 والمتغير الوحيد هو التاريخ الذي لا يصعب تغييره من عام 2008 إلى عام 2012 وأسماء الشهداء أيضاً . فالعرب كلهم على موعد مع هذا الأسبوع الذي ستعود فيه غزة إلى سطح المشهد لعلّ الربيع العربي ينعم بهذه العطلة بدلاً من الهدنة ولو لبضعة أيام .
ذرائع الاحتلال لمعاودة اجتياح غزة هي ذاتها وبالحرف الواحد، وردود الأفعال فلسطينياً في الداخل، وعربياً في الخارج هي ذاتها أيضاً، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:
السلطة الفلسطينية تشجب ما حدث في غزة، وتطالب بالإسراع في لمّ الشمل الفلسطيني، والجامعة العربية تُخرج من الأرشيف ما قاله أمينها العام قبل أربع سنوات وتغير توقيعه فقط، أما الفضائيات التي تحوّل الدم العربي كله بالنسبة إليها إلى علف أو بنزين لإدامة التشغيل، فلا حاجة بها إلى إعادة دفع الأجور لخبراء متقاعدين وباحثين استراتيجيين، إذ يكفي نبش الأرشيف واستخراج هذه المعلّبات منه .
الجديد فقط في هذه الدراما المتكررة هو عدد من يموتون من الفلسطينيين قادة أو رجالاً ونساء وأطفالاً، والجديد أيضاً هو اجترار الحسرة المزمنة وكظم الغيظ .
كم كان ذكياً وحصيفاً وذا نبوءة صادقة ذلك اللاجئ الذي احتفظ بصحف النكبة لمقارنتها بصحف النكسة، لكن التطور التكنولوجي أراح غيره من اللاجئين والنازحين على السواء من تأبط الصحف، لمقارنة غزة اليوم بغزة البارحة، ومراوغة ثعالب الأمس بمراوغة ثعالب اليوم .
ربما لهذا السبب يكرر الاحتلال اجتياحاته للأرض والتاريخ وكبريائنا القومية، لأنه أصبح يعرف بدقة منسوب ردود الأفعال، ويعرف جيداً الثمن الذي يدفعه . ردود الأفعال محفوظة عن ظهر دبابة لا عن ظهر قلب، أما الثمن فإن كرامتنا القومية تجعلنا نعف عن ذكره .





رد مع اقتباس