الموت في كنف الاسطورة
شوقي بزيع
* الدستور الأردنيـة
كان بودّي يا حبيب أن لا يجرّعني الداعون إلى حفلك التأبيني هذا الكأس المر الذي أتجرّعه اليوم. كان بودي وأنا أقف على هذا المنبر الملكي، لو أسمعتك حيا ما يتعذر عليك سماعه وأنت ترقد الآن في حضن التراب الأم.
بماذا أرثيك إذن واللغة تجتاز برثائك امتحانها الأصعب، وتتغالب مع التأتأة فوق ساحة مليئة بالنشيج. كيف أستلّ من بطون المعاجم ما يناسب هذا الرحيل المباغت، والمعاجمُ المشلولة تجرّ كلماتها كالعكاكيز، وترفع مفرداتها كرايات من الدمع، فوق سواد القاعة الحدادي.
ولكن قبل كل شيء وقبل انسدال الستار على فصل الحكاية الأخير، دعني أصارحك القول إنني اذ استخدم ضمير المخاطب صيغة للكلام، فلأني أردت التحدث معك لا عنك، ولأنّ لك من الحضور بيننا ما يستلزم سنوات كثيرة للتدرب على نسيانك، تقول العرب يا حبيب “صديقك من صدقك لا صدّقك” ولأن الأمر كذلك فاسمح لي ألا اصدّق اكذوبة موتك، ليس فقط لأنك لا تحسن الموت اصلا، وانت الربيب الأجمل لشهوة العيش، بل لأنك مصنوع من مادة الحياة نفسها، ومن أحابيل لا يملك الموت أن يفك طلاسمها لكي يهتدي اليك، وحين حاول اغتيالك بجلطة في الدماغ ظن أنه أصابك فأخطأك، لأن شعرك في الاصل لم يتكون في بؤرة العقل العجفاء بل في عهدة القلب المتلّم بوجيبه المحموم، القلب الذي لا تقوى الفؤوس الصلدة على اقتلاعه.. ولو حدث وان وخزه الموت بشوكته المسننة لسالت من جراحه النازفة كل دماء الاردن وكل دموع أهله المعتقة في خوابي الشقاء، وكل الميزات المختزنة في عروق صحاريه، ولوقف كل دحنون الاردن مدافعا عن حقه في التفتح.
ولأفترض جدلا يا حبيب انك مت، لافترض ان الموت الذي ادرت له ظهرك اخذك على حين غرة، او سدد سهمه المسموم نحو خاصرتك الرخوة كما فعل بأبطال الملاحم المماثلة، فكيف اجد تعازيم ملائمة لتهدئة العواصف التي تئن كنساء ثواكل حول ناصية قبرك الخريفي، أأستعير لأجلك دموع جلجامش على انكيدو، ام نواح عشتار على تموز، والخنساء على صخر، وابي عبدالله الصغير على صخرة الاندلس؟ ام استعير من غارسيا لوركا قوله لصديقه المطعون بقرني ثور هائج في حلبات النزال: “كنت رقيقا مع السنابل وقاسيا مع المهاميز/ حنونا على الندى/ واخّاذا في المهرجان”، ام اردد على مسامع نسور الجو في الاردن صرخة اودن الشهيرة في رثاء صديق له “اوقفوا الساعات كلها/ اقطعوا خطوط الهاتف/ وعلى اعناق الحمام الابيض اربطوا شارة الحداد/ دعوا الطائرات تحوّم فوق رؤوسنا وتنوح/ مغبّشة صفحة السماء برسالة مفادها/ لقد مات”.
اتذكر يا حبيب لقاءنا الاول على مدرّجات جرش قبل ستة وعشرين عاما، كنت انا قادما من الجنوب اللبناني المبقّع بالحسرات، والمضمّخ بمرارة شتلة التبغ، والمدافع ببسالة نادرة عن خندق الكرامة الامامي، وكنت انت قادما من العالوك، حيث تمشي النجوم، مع الناس جنبا الى جنب، وحيث الفقر مدقع والمهانة لا تجرؤ على الاقتراب، وحيث لا حاجة للصقور بالتحليق لأنها تحفر طبائعها في ملامح البشر وتعود الى قمم الجبال، ورغم ان اثنتي عشرة سنة كاملة تفصل بين عمرينا، فقد بدونا توأمين في كل شيء، في الخجل المتوارث عن الآباء كما في العصب العاطفي، في الولاء غير المنقوص للتراب وفي مسارعة الشفاه للتّلمّظ كلما ارتعش نهد على سرير، في حبوب النسيم على الايقاع وفي تقليم اظافر الطاعة وحضّها على العصيان، وها نحن ما نزال توأمين، رغم وقوفي الكسير على ضريحك الناجز، وعجزك عن الوقوف على ضريحي المؤجل، كيف لا ونحن نمشي الى وطنين متقابلين، يحيطان كل من جهته بخارطة فلسطين الممزقة، وطنين يتبادلان جثث الشهداء كالهدايا ويتشابهان في التضحية وتقديم القرابين، ويتراسلان بالقبل بحيث لو كانت الاوطان تُطوى كالثياب لوقع فم عمان على خد بيروت، والعكس صحيح ايضا.
كان عليك يا حبيب، ان تتريّث قليلا في موتك، ليس فقط لكي نقول لك كم نحبك ونفخر بك، ولكن لكي تدلّ الشعراء وهم يسرفون في طلب البلاغة المتعسفة، يتوهمون حداثتهم في ترصيع الجمل والدوران البهلواني حول خواء الاشكال، على المجاري الخفية لمياه الغناء الاصلي، وترشدهم الى منابت البراكين واوكار المباهلة الاكثر مكرا مع وساوس الرؤوس وصراخ الشياطين الذي لا يهدأ، فأنت من الشعراء القلائل الذين اهتدوا الى الخلطة السحرية للكلمات حيث المهارة الحقيقية ليست سوى القدرة على اخفاء المهارة، والتربص بفرائص العظام وهي ترتعد من الالم، وتسيل على الصفحة البيضاء كما تسيل النشوة من خرز الظهر، ولم يكن مُجونك الظاهر سوى طريقتك الفريدة في مكايدة اليأس، وتنقية الاحلام من كوابيسها الكاسرة، لقد تعاملت مع الحياة بوصفها الفرصة التي ينبغي اقتناصها قبل ان يعجز فمك عن ضغضغة نصيبه من الوليمة، ويداك عن تناول النساء بالملاعق، ومخيّلتك الجامحة عن الانقضاض الخاطف على بنات الافكار، هكذا رحت تنقّب في رفات الاسلاف عن النسغ الذي ترفد به شجرة موهبتك الوارفة.
تماهيت مع نمر العدوان لكي يكون لك من اسمه وقلبه نصيب، فتجمعّ بين ليونة النمور المصابة بضربة الحب، وبين ضراوتها الناشبة كالاعاصير في لحم الحقيقة الحي. وتماهيت مع عرار في تمرده على القيم السائدة، كما ان اتصاله الوثيق بروح البداوة وعصب الجماعة السلافي. واذ أحسن بوطأته الثقيلة على شعرك خاطبته قائلا: “أبعد ظلالك عن كلامي/ اني عبدتك ألف عام/ أبعد غمامك عن حقولي فهي تستسقي غمامي”. وبعيداً عن عقد النقص الاودببية المعروفة تابعت مستدركا “ندان نحن اليوم يا أبت على سفح الكلام”. ثم رحت تفتش عن كنوزك الخاصة في مغائر نفسك، مشكلا مع عرار ونمر ثلاثي الاساطير المؤسسة لثقافة الاردن، ولجغرافيا الوطن الممتد من رمال المفرق الى مياه العقبة، ومن منخفضات الاغوار الى تخوم الحجاز.
لم تكن لتركن يا حبيب الى شيء من حطام هذه الدنيا. لم تغرك وظيفة ولا منصب. لم تدجنك سلطة قائمة امتدحتها حينا وانقلبت عليها حينا آخر. كان التمرد ربيبك الوحيد، والرياح قبلتك الدائمة. ولم يكن يضيرك ان تخسر كل شيء لكي تربح الشعر. وكان شعرك الملتصق بالحياة التصاق الصمغ بأشجار اللوز يولد كظواهر الطبيعة من تلقاء نفسه، ويبدو لشدة انسيابه وكأنه شعر بلا مؤلف، او كأن الارض انبتته من تلقائها وربته على السليقة، كما تتربى الزهور في البراري. انه شعر المشافهة اليومية والوجدان الجمعي الذي لا يحتاج الا الى حفنة صغيرة من النسيم لكي يتحول الى اغنيات شجية تصدح بها حناجر المغنين. كيف لا وانت القائل “انا ابن الارض وابن الغيم/ نايي زائد ثقباً وعودي ناقص وترا/ انا ابن الارض/ علمني الغمام دروسه في الشعر/ وهو ينقح النعناع/ وهو يزحزح الايقاع/ وهو يوضح الاوجاع/ حين يسيل منهمرا. وكأجمل الشعراء الغنائين كان الايقاع عندك ينحل في جسد النص ويستسلم الى عذوبته المشمسة مثل ثلج مقبل على الذوبان، وحين متَّ اخترت ان تموت في الاوج، لا ان تجرجر آلامك البائسة في وحول الشيخوخة وخريفها العقيم. اخترت ان تتزلج على الزمان كما هو حال شادي في الاغنية الفيروزية، وان تتنازل عن ايامك الزائدة للمقعدين والمرابين وسدنة السياسة وفريسيي الظلام، محتفظا بصورتك الزاهية كواحدٍ من انبل الفرسان الذين انجبتهم هذه الارض على امتداد قرون من الزمن.
أتذكر أخيرا يا حبيب قول جلال الدين الرومي في كتابه “المثنوي” من الحزن المنبعث عن صوت الناي، والذي في حقيقته طريقته في التعبير عن حنينه المقيم للعودة الى القصب الاول الذي انبثق عنه. وأتذكر قولك أنت “ناي البراري ما الذي أغواك يا ناي البراري/ بي، فاشتعلت لتستبيح دمي وأدراجي وداري/ يا ناي أسندني لنطلع نجمتين على خيام البدو/ خذ قلبي لنطلع كوكبين بلا مدار/ او أيقظ الاسلاف في روحي نشيدا/ ضج في ايقاع نمر وفي عرار”.
وها أنت تتحد بروح أسلافك، وتعود كما أردت الى قصب البداية المشتهى. واذ اقف خاشعا على منبر رحيلك اقول لك: لو كان للربيع العربي المتعثر بدم ضحاياه اسم حركي لكان أنت. لو كان لروح الاردن عنوان بعينه لكان أبيات شعرك. أما الذين زاغت اعينهم عن جوهر معناك. أو الذين لم يقدروك في حياتك حق قدرك، فأقول لهم ما قلته في قصيدة “الشاعر”: “الناس نيام، فإذا الشاعر مات انتبهوا”.
*الكلمة التي ألقاها الشاعر اللبناني شوقي بزيع مساء الأربعاء في حفل تأبين الشاعر المرحوم حبيب الزيودي