الرغيف والسّكين
خيري منصور
* دار الخليج
قد يعثر إنسان في هذا العالم على حبة زؤان في رغيف الخبر، أو حتى على حشرة تسللت إلى الطحين، لكن أن يفاجأ بشفرة حلاقة تدمي شفتيه فذلك أمر جلل، لأن المثل القائل إن “بالع الشفرة لا يستطيع الاستمرار في بلعها، كما لا يستطيع أن يلفظها”، لأنها تعلق بشرايينه وتدميه . وفي مصر قال أحد المواطنين إنه عثر على شفرة حلاقة في رغيف، ولم يصدق ما رأى وظن أن أحداً دسها لها، لكنه تأكد في ما بعد أن ما رآه وأوشك أن يتورط به هو بالفعل شفرة حلاقة! . . فهل كان هذا الخطأ الجسيم متزامناً مع حالة عامة يصدق عليها مثل بالع الشفرة؟ . . فالإنسان يجد نفسه أحياناً محاصراً من الجهات الخمس وليس الأربع فقط، فإن تكلم تألم، وإن صمت زاد ألمه، وإن فتح عينيه على سعتهما صاح مردداً ما قاله عبدالله بن محمد ذات يوم: ياقوم لو ترون ما أرى لودّ أحدكم لو أنه مجرد شجرة .
أو يستعيد ما قاله ابن الأثير حين تمنى لو أنه لم يولد كي لا يرى ما يرى، وإن أغمض عينيه لا يعرف مصير عُنقه .
إننا نعيش زمناً غير مسبوق في الضغينة واللامبالاة والكيدية، فثمة أطباء ينسون مقصات أو مباضع وأحياناً قطع قماش داخل بطون مرضاهم بعد إجراء جراحة، وإذا كانت هناك أخطاء مطبعية يعرفها الكتاب والصحافيون، وأحياناً يدفعون ثمنها، فإن الأخطاء المصنعية تُنسب إلى مجهول، وحدث ذلك في الصين قبل أعوام سواء بالنسبة إلى معاجين حلاقة أو لعب أطفال قابلة للانفجار .
إن العلاقة بين الرغيف والسكين قديمة قدم الجوع، وهي من عُمره، وما يسمى ثورات الجياع سواء تلك التي دهمت الباستيل في باريس، أو تلك التي عصفت بعواصم آسيوية، لا يقف في طريقها شيء إذا اندلعت، لأن الجوع كافر بالفعل كما أن الفقر لو تجسد في هيئة رجل لقتله كما قال الإمام علي .
وحين صار الرغيف شعاراً ورمزاً يضاف إلى الحرية والكرامة، تسللت إليه شفرات الحلاقة، لتقطع العنق من الوريد إلى الوريد، ومسلسل العجائب هذا لا يتوقف، وكذلك المفارقات التي تفتضح زمناً لا يشبه الأزمنة رأى فيه البعض نذيراً بالآخرة، ورأى فيه آخرون السفينة التي ارتطمت بعد الغرق بقاع البحر، ثم كان لا بد لها أن تطفو .
تلك الأخطاء بل الخطايا ليست مجرد أعراض مصاحبة لفراغ أخلاقي، وعدمية انتهت إلى تجريف آدمية الإنسان، بحيث لم يعد ذلك الكائن الأرقى الذي يزهو على سائر المخلوقات بما بشّر به من قيم وفضائل .
وحين كتب عالم نفس ألماني هو ويلهالم رايتس عن الإنسان الصغير في عصرنا ثم دفع ثمن ما كتب، قال الناس إنه يبالغ في التشاؤم، لكن الحقيقة أن الرجل استبق زمنه ورأى عن بعد كزرقاء اليمامة أشجاراً تمشي، ثم قال لقومه إنها جيوش تتخفى تحت الأغصان فَسَملوا عينيه .
شفرة حلاقة في العجين، وسكين في جوف مريض، وأغذية فاسدة تسرطن العافية، ونفاق سياسي يحول الدمية إلى ديكتاتور، ويتغزل بساقي الأفعى وجناحي السلحفاة، تلك هي ملامح حقبة قصديرية إذا صح لنا أن نستعير ما كتبه هزيود عن العصور والمعادن، حيث منها الماسي والذهبي والفضي، لكن الزمن الذي يمضغ فيه الجائع شفرة حلاقة، ويقايض فيه الأب دم ابنه بحفنة نقود، هو زمن قصديري امتيازه الوحيد هو ما يغطيه من صدأ وعطن .
تعيدنا أيام الرغيف والسكين والعشوائيات وسائر إفرازات عولمة البؤس، إلى ما كتبه ابن إياس في “بدائع الزهور” عن زمن أكل فيه الجياع بغلة القاضي، واستُخْدمت فيه الخطافات للسطو على الأطفال وأكلهم أحياء .
إن للتقدم قوانين نموه، لكن للتخلف ومحاصيله من شتى صنوف الشقاء، قوانين مضادة لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء فقط، بل تضاعف من سرعتها وهي تتقهقر .