بدر شاكر السياب
مقال عثمان حسن
* دار الخليج
لقد مثل بدر شاكر السياب في الحداثة الشعرية العربية رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه، ولعل استذكاره من قبل رموز كثيرة من الأسماء الشعرية العربية، كمحمد الماغوط وأنسي الحاج، وجبرا إبراهيم جبرا، وسعدي يوسف، لدليل حي على تميز هذا الشاعر الذي اختبر مجالات واسعة من التجريب الشعري، من بينها توظيف الأسطورة على وجه الخصوص، ليس ذلك فحسب، بل حين يذكر السياب، تقفز إلى الذهن فكرة المثاقفة بكل ما للكلمة من معنى، وثقافة السياب الشعرية، سارت بالتزامن مع إبداع الكثير من الدواوين الشعرية والقصائد الفارقة التي توقف عندها النقاد مليا، كما تجلت في مفصل اهتمام السياب بالترجمة وإصداره لثلاثة كتب هي: “عيون إلزا أو الحب والحرب”، “أراغون” و”قصائد من العصر الذري”، ل”إيديث ستويل” و”قصائد من ناظم حكمت” .
وقد تنبه الناقد الدكتور حاتم الصكر لثقافة السياب الشعرية، وربطها بمصطلح الشاعرية فقال “هي ملكة أو مقدرة منظمة ذات فاعلية نصية مولّدة” .
في السياق ذاته كتب المستشرق الألماني شتيفان فيلد عن قصيدة “هياي، كونغاي كونغاي” لبدر شاكر السياب مقالة له بعنوان “بابل هي شنغهاي/ ما هو صيني لدى بدر شاكر السياب”، التي نشرت في مجلة “عيون - العدد الأول” وقامت بترجمتها سالمة صالح، منوها بفكرة الهوامش التي ذيل بها السياب قصائده أسوة بقصائد ت .س اليوت ومنها “الأرض الخراب” وكانت هوامش للشرح والتعليق والتفسير، وتبيان مقاصد الشاعر بما في ذلك الرموز المستخدمة في القصيدة وغيرها من التعليقات، وقد استطاعت تلك القصيدة بحسب شتيفان فيلد أن تحاكي الكثير من النصوص الشعرية العالمية، سواء التي كتبتها الشاعرة الإنجليزية إديث ستويل، أو كتبها الشاعر الإسباني فيدريكو لوركا .
جبرا إبراهيم جبرا وصف تلك الإشارات الواردة في الهوامش، بأنها مثلت فتحاً حديثاً جاء به السياب، وقد حملت تلك القصيدة ما يشبه المثاقفة الشعرية التي كانت على تماس مع ما يحدث في العالمين القديم والجديد .
وأخيرا فلا بد من الاعتراف بفضل هذا الشاعر الكبير الذي كانت إنجازاته في الشعر والثقافة العربية على قلتها، بمنزلة رهان ناجح على قوة التفكير الخلاق، ورهان على دور الشعر في تقديم إضاءات لا يستهان بها، والتي بكل تأكيد لا يمكن اختزالها في قصيدة سواء مكتوبة أو مترجمة، أو عمل نثري أو رسالة، كتبها السياب في عمره الصغير، ولكنها أيضا كانت حافزاً يستثير قوة الإبداع ويدفعه قدماً إلى الإمام .