صاحب "الظل الأخضر"
إبراهيم اليوسف
* دار الخليج
يعدّ الأديب السوري الكبير ممدوح عدوان (1941-2004) الذي يصادف اليوم الذكرى الثامنة لرحيله، أحد الأسماء الإبداعية الكبيرة في الأدب العربي، إذ استطاع منذ بداية تجربته الكتابية أن يغني المكتبة العربية بإبداعات ثرة، توزعت بين الشعر، والمسرح، والرواية، والبحث، والترجمة، والمقال، حيث بلغ عدد مؤلفاته في هذه المجالات الثمانين، وهو رقم كبير في عالم الإبداع، يرفعه إلى مرتبة الكتّاب العالميين الكبار والاستثنائيين الذين تركوا بصماتهم في الأدب الإنساني .
لقد رهن عدوان، ابن قرية القيرة التابعة لبلدة مصياف، حياته منذ بداية وعيه للكتابة والإبداع، من دون أن يتخلى قيد أنملة عن بوصلتهما التي كانت تقوده أينما حل، إلى ذلك الأنموذج الفريد، غير المستنسخ، وغير المكرّر، بحيث إنه منذ قصيدته الأولى التي كتبها وضمنهما مجموعته الشعرية الأولى “الظل الأخضر” ،1967 وحملت هم أهله وقضيته بل والإنسان بشكل عام، وحتى النصوص الأخيرة التي ضمتها مجموعته الشعرية السابعة عشرة، لم يخرج عن إطار رؤيته تلك، فهو يسخّر كل ما يقدمه في سبيل هاتيك القضايا الكبيرة، بحيث إننا لا نستطيع أن نفصل إبداعه عن موقفه الحياتي، بل إن كليهما كانا متواشجين إلى حد لافت، فهو لم يكن لينظر إلى الكتابة أنها مجرد فنتازيا أو ترف .
لقد كان للكلمة التي ألقاها في مؤتمر اتحاد الكتّاب السوريين في عام ،1979 أثرها الكبير في ذاكرة الثقافة السورية، فقد تميزت آنذاك ببسالتها غير المسبوقة، في تشخيصها لوجوه المعاناة الكبيرة لمواطنه، في تلك الفترة، إضافة إلى وضع الإصبع على بعض ما يتم من ظلم وجور وفساد، ما جعل اسم عدوان يكتسب مصداقيته، على نطاق كبير، ليس بين الآخرين في المشهد الثقافي، وإنما لدى الشارع الوطني عامة، كي يدفع تدريجياً ضريبة ذلك، على حساب لقمة أسرته، ويصبح اسمه في رأس قائمة غير المرغوبين في الكتابة في منابر بلده، ولعل في إبعاده عن العمل في إحدى الصحف الكبرى أكبر مثال على ذلك .
وحقيقة، يحار المرء، وهو في صدد تحديد المجال الأكثر إبداعاً لدى عدوان، فهو الشاعر البارع، وهو السارد المجيد، كما أن أعماله في عالم الترجمة لأمهات الكتب العالمية الشهيرة ومن بينها “مذكرات نيكوس كازانتزاكي”، وجورج أورويل وهيرمان هيسة وميلر وغيرهم كثيرون، تعد تحفاً أدبية إنسانية، ترجمها عن الإنجليزية التي حصل في مجالها على شهادته العلمية، حيث صنفه بعضهم أحد أبرز المترجمين إلى العربية، بل إنه أول من كتب في المونودراما، إذ ترك ثلاثة آثار مهمة في هذا المجال أيضاً .
إن رحيل أبي زياد، وهو في ذروة عطائه، شكل - في الحقيقة- خسارة كبيرة في المشهدين الثقافي والإبداعي، لاسيما أنه من أصحاب القامات التي لا يمكن أن تتكرر، ولعل ما يلفت الآن الانتباه أكثر في وطنه، هو أن ما كان قد تناوله نقدياً- هو وقلة سواه من الكتّاب ذوي الموقف- في وقت مبكر لم يكن عبارة عن تجديف، أو تهويم، وإنما كان يتكىء على وقائع استقرأها هؤلاء ببسالة الكتّاب الذين يدركون- تماماً- ما الدور المنوط بالكاتب بين أهله، وبدهي أنه لو تم الإصغاء إلى استشرافات هؤلاء الكتّاب، لتم تجاوز الكثير من الأزمات العاصفة التي يشهدها بلده .