لهجات الموتى
قصة :غالية خوجة
لم أتوقع أن أراه أمامي.. كان ينتفض من الذاكرة مثل وردة قذفها بركان قديم ثم تحجّـر.
شبح عظمي بجمجمة!
كأنه مر خفيفاً.. عبر الصالة، ضغط زر الضوء فذهبت الظلمة!
لا يراه إلا من يمتلك أشعة كهرومغناطيسية واسعة، وكثيفة..
يمر كالبرق الرمادي.. لا تراه من المرايا، ولا ظل لـه على الجدران.. وليس وهماً..
في البدء، كانت الحركة دليلاً عليه.. أصوات داخل الصمت تتحرك.. أصوات لا مفهومة تقفز على سطح المكتبات، تحرك الكتب.. هل كان يشاركني القراءة؟
حدقتُ في الشك لأحرقه، لعل اليقين يحسم ما يتحرك بين غرفتي وبصري ومجالي اللا مرئي..
كم تمنيت لوتخليت عن كثافة جسدي لأشف مثله، فنتحاور.. لكنه يبرق ويختفي مثل سؤال ضائع!
وذات نوم، بعدما أغلقت الكمبيوتر، ولم أغلق قلقي، غبت في الإرهاق والنوم.. لكن أحداً ما ضغط على زر الضوء، فاستيقظت.. ورغم تعبي، مددت يدي وأغلقت إنارة الغرفة، لكنه كرر الإضاءة.. !
بسملت، ونهضت.. أشعلت سيجارتي، وهرعت إلى الكمبيوتر.. كتبت، قرأت.. وبعد ساعات، عدت إلى السرير..
كانت الكلمات التي لم أكتبها عالقة بدمي.. لا تهطل، بل تتكاثر.. الدوخة تسيطر على كثافتي المادية من شدة الإرهاق.. والنوم دواء أوواجب..
كان الفجر قد استيقظ قبلي بساعات.. وكانت المعاني تعتاد على زائري..
ليس مفاجئاً لي أن يكون روحاً، ملاكاً، جنياً، أوشخصية من قصائدي أوقصصي أورواياتي..
المستغرب، أننا تآلفنا!
لم أعد أكترث بحركته.. وصرت أستفقده إذا ما غاب أوخرج كثيراً.. وأكون سعيدة عندما أشعر بوجوده الميتافيزيقي وهويتنقل في بيتنا..
اعتدت على أن يمكث طويلاً في غرفتي..
كما أنه لم يبغتني عندما تحرك لأول مرة في غرفتي في الشارقة!
شعرت بسعادة لأنه تبعني.. كان ذلك ذات ليلة، كنت أنهيت بعض جنوني الكتابي، وأغلقت التلفاز، وتمددت مثل شهيد.. وكان أن أعاد تشغيل التلفاز.. فرجوته بأنني متعبة وأريد أن أنام.. وسمحت لـه بخمس دقائق إضافية.. أصابعه الرمادية تحركت بأناقة، وأغلقت التلفاز..
لا أعرف إن كان يتلصص عليّ الآن مثل أشجار الغابات البعيدة وأنا أكتب عنه.. قد يشعر بأنني أشكوه لكم.. أوقد يعتقد بأنني أكتب عن عوالم الرهافة وطقوس اللا مرئيين الجميلين وهم يشاركوننا حياتنا الكثيفة..
تقلبتُ كالموج في بحر تحته البراكين، نظرت حواليّ.. الصمت لا فاقع ولا غامق.. والليل يحمل بدره إلى السكينة ليتأمل ما حدث في النهار، فلا ينسى الطفلة المشردة وهي تمد يدها للعابرين، ولا الشيخ العجوز المشلول وهويتقبّـل ما يدفع إليه من نقود، ولا خطواتي الملتهبات بالغيب..
صوت طفلة مع أبيها يعيد إلى الشارع حدثاً يجري بعد منتصف الليل، وحدث لن يحدث يعيد إليّ ما سيجري عند خط استواء القصة..
النجوم تخبرني بأن ذراتها تتمدد مثل النقطة في الحرف. وأنا أخبرها بأن النقطة عصية على الكتابة..
وفجأة،
أرى كيف هيكل عظمي صغير يتقمص الهيكل العظمي الكبير راسماً إشارة سرية!
هل تعلم أعشاب الحديقة التي خطوت عليها اليوم بما يجري في غرفتي؟ وإلا لما فاضت رائحة العشب مع أول حركة للطيف..
يقال بأن الأطياف لا ترى بالعين المجردة، لكن من الممكن أن تحضر كلما لامست أشعة البدر ذرة معينة من النجوم.. في هذه النقطة بالذات، في هذا الوقت بالذات، ترتفع نسبة الكشف التي لا تعتمد على الحواس، فتبين الأطياف أكثر وضوحاً..
هذه الليلة، البدر يبتسم، وطفل الهيكل يتقمص أباه أوجده أوشيخه.. وعلى سطح إحدى المكتبات حركة مزدحمة.. أنصت فأسمع أناشيد ومولوية ودفاً ومزاهر!
هل يحتفلون بتحولات الروح؟
وهنا، كأن الأرواح الطيفية تدخلتْ، وأصابت جهاز الكمبيوتر بسكتة جهنمية.. استنشقت أحوالي، ومخيلتي كأعصابي ترتجف، وترتجف.. كم أخشى أن تضيع القصة!
بشدة سحب نزقي المأخذ الرئيسي لكهرباء الجهاز المتضامن مع أشباحي.. أشعلت سيجارتي وأنا أدعوالله ألا أفقد ما كتبت.. أذكر أنني أضعت أجمل قصيدة سيكتبها الشعر عندما انقطع التيار الكهربائي ذات لحظة فجأة!
وها أنا أشتعل مثل خرافة قديمة يحرقها الأبد على فوهة جبل غير موجود!
وريثما يستعيد الكمبيوتر ذاكرة أقراصه، وأصابعي على «الفأرة» كما المقاوم الذي يده على الزناد، فتحت صفحة الكتابة، ووجدتُ ما تبقى محفوظاً من هذه القصة..
استدرت إلى الطرف الآخر من فضاء غرفتي، وصرخت:
ـ هل أنتم مرتاحون الآن؟ أيتها الأرواح أجيبي.. أيتها الأطياف اخرجي..
يبدوأن اللا مرئيين حزنوا عليّ، فهدؤوا قليلاً..
أناملي تعزف على لوحة المفاتيح بشكل لا إرادي..
كعادتها أصابعي تخطف أعماقي قبلي.. وكم أجهل إلى أين تأخذني الكلمات، وكيف تتطاير من مكوناتي الكثيفة إلى مكوناتها الشفيفة!
الزقزقة تتدخل مثل اللا وعي.. والحلم السابق يخرج من هوامش القصة..
الحلم يسحبني إليه مرة أخرى، كأنه يطلب مني أن أكتبه.. يشدني من طرف روحي، فأنتبه كيف كنت جالسة متربعة على أرض ما.. وفجأة يدخل البحر الجامح عليّ في جلستي.. موجة جامحة واحدة بحجم البحر، تتمدد تحتي وتخطفني مني.. بجلستي المتربعة التي تشبه جلسة بوذا تسحبني.. الموجة البحر لا صافية ولا مشوبة، لكنها مشوشة ببواطن محيطاتها! تخطفني مسافة ما، فأرى جداراً مثل سور الصين وليس هو، مصفوفة عليه أصص بنية كبيرة، فيها أشجار نابتة حديثاً، وأزهار.. أصص جميلة منصوبة على جدار في البحر.. !
البحر يخطفني أنا الجالسة على الماء، فأتمسك بشجرة تحدق فيّ.. لكن البحر مصر على أن يخطفني.. من قوته تنفلت الشجرة، ويتحرك أصيصها من مكانه ويتدحرج ورائي..
يخطفني البحر بقوته.. مسافة جديدة، وسور ثان من الأصص والنباتات..
مسافة ثالثة، والبحر يعيدني، وأنا في جلستي تلك، إلى شاطئ وجد الآن..
متربعة على الشاطئ.. بنطالي وثيابي مبللة بمياه البحر، وكلي موشاة برماله وبقايا أصدافه المكسورة..
شعري كثيابي مليء بالرمل وبقايا الصدف..
البحر اختفى فجأة مثلما ظهر..
وأنا وحيدة، مبللة على شاطئ مبلل..
الحلم يخرج من ذاكرتي، ثم يخرج من القصة..
أين ذهب؟
حركة مباغتة على سقف المكتبات..
أحرك عينيّ من لوحة المفاتيح إلى الشاشة إلى المكتبة..
كأن الأرواح تحتفل بالحلم..
أناشيد.. مزاهر.. طبول ودفوف..
وحركة تشبه المولوية!
روح الهيكل العظمي تضاعف حضورها.. يتقمصها طفل عظمي آخر.. الهيكلان متداخلان.. كأنهما ينجبان هياكل أخرى..
الروح الصافية تنفر من جاذبية الأرض.
الجاذبية تترسب كما تترسب الأطياف الشريرة..
ووحدها نقطة الضوء، وقطرات الأشعة تخرج عن الجاذبية..
كم أخشى أن يأتي البحر، فجأة، الآن، ويخطف مني هذه القصة..
ما زلت متربعة كما في الحلم.. وما زال الشاطئ هادئاً يستذكر بحره الخاطف..
وما زالت كلمات الوقت المحترق مع القش تنبت في تلك الأصص التي لم تقبل أن تغيثني..
الموجة البحر، تهجم، أيضاً..
سأمسك بالقصة التي تتمسك بالموج..
أخشى على القراء من البحر.. أخشى عليكم.. فالتفتوا إلى الحلم أوالبحر القادم الآن..
هل استعصمتم بالنقطة؟
البحر يخطفني.. والموجة مازالت عالقة بين الليل والنهار..
فلا الوشاية تتدلى.. ولا أنا أغيب أوأحضر.. وحده الطيف يتحرك.. أراه يمط رأسه قريباً من كتفي.. يتابع ما تكتبه أناملي.. يبتعد بهدوء.. ثم أستفقده.. لم أتوقع ألا أراه أمامي..
أين أنا؟
* نقلا عن الثورة السورية،،