أعمال فنية رافدينية تتوهج في بيروت
رائحة الحزن العراقي
لــ: عمران القيسي
[align=justify]
اللوعة ويصب في بحر من الآهات، حيث الأعمال المعلقة في صالة غاليري زمان في بيروت طيلة شهر من الزمن، تعيدك إلى ذلك العالم الذي كان الفن فيه ثقافة متكاملة تتواكب مع الشعر لتشكل موقفاً تعبيرياً أدى إلى تجديد الوعي العراقي، كما أدى إلى انبعاث المواقف التي نسجت المستقبل بكل تفاصيله صوب النصين البصري والسمعي في ثقافة العراقيين.
في زمن الاجتهادات الخمسيني والستيني حيث كان جواد سليم، وفائق حسن، وجميل حمودي، وخالد الجادر، وشاكر حسن آل سعيد، وكاظم حيدر... كان المثقف الشاعر وكاتب النص النقدي الثقافي يشعر بالانتشاء، لأنه نجح في تأسيس هذا الصرح الثقافي المتكامل، لذلك يقول الناقد والروائي والرسام الراحل جبرا إبراهيم جبرا: “إنه ورغم مرور السنين على وفاة جواد سليم عام ،1961 فإن الحركة الفنية في العراق، ما زالت تتمتع بالدفع الذي كان جواد من أسبابه الأولى، لم يكن هو الوحيد بالطبع في إعطاء الرسم والنحت هذه القوة الديناميكية، غير أنه يمثّلها على أروعها، بنظرياته حول الدمج بين التراث والتجديد، بين العراقي والعالمي، وبإنجازاته الرائعة في الرسم والنحت معاً. لقد ظهر جواد في الفترة التاريخية التي كان فنان مثله ضرورة لبلد فتي ناهض، فقد جمع بين الموهبة الفطرية والمعرفة الجادة.. بين الحس التأريخي والنظرة المنفتحة، جامعاً في تأملاته وأعماله بين منحوتات سومر وآشور، ورسوم الواسطي والنحاسيات العباسية، وشتى نظريات الفن الحديث، حتى اكتسب اسمه بين المثقفين العراقيين هالة اسطورية.
بالطبع ما قيل عن جواد هنا يكاد ينطبق على رعيله كله، ففائق حسن المؤسس الآخر لجماعة بغداد للفن الحديث والتي سعت إلى تأسيس ذلك الفن الذي يعيش معاناة الناس وحياتهم اليومية. لذلك جاءت قضية الاقتراب من هواجس المدينة حالة انتماء أكيد إلى ضمير حي متفاعل ومنفعل بكافة التحولات التي كانت تؤثر بشكل دائم في البناء الفكري للفرد العراقي مخترعة الموقف المطلوب الذي أدّى إلى تحولات سياسية وفكرية بالغة الخطورة والأهمية.
ناهيك عن شاكر حسن آل سعيد الذي انطلق صوب الفن بكامل وعيه الاستثنائي بوصفه الباحث الأعمق بالدوافع النفسية والفكرية للمسألة الثقافية بعموميتها الشاملة.
أما حافظ الدروبي الانطباعي العراقي الأول، فإن محترفه الفني أدى إلى ميلاد فنانين كبار أدركوا القيم الزمانية للون في صلب التشكيل.
وشكّل محمد غني حكمت علامة فاصلة في النحت المداري، لذلك كان الأقدر على تشكيل العلامة الفارقة لمستقبل النحت العراقي بعد وفاة جواد سليم عام ،1961 ثم جاء خالد الرحال الذي كان هو الآخر صاحب السيطرة الرائعة على المادة والموضوع، لذلك أنجز أعمالاً باهرة ومميزة.
أما التعبيري الأكثر مثابرة فكان خالد الجادر، تلك العين اللاقطة والريشة التي تسجل وتطور في اللحظة ذاتها.
وبعد الانتقالة النوعية في مرحلة ما بعد منتصف الستينات كان لا بد من بروز الأسماء الجريئة التي نقلت الفن العراقي من محليته إلى العالمية، ليس في مجرى التقليد للتيارات التي كانت سائدة آنذاك، بل في إطار الاجتهاد بكل ما كان سائداً، فقد اعتاد الفنان الواعي المنتمي إلى الرعيل الثاني أن يناقش عملياً ما يتلقاه ويسعى إلى تطويره، وهكذا كان رعيل رافع الناصري، اسماعيل فتاح الترك، سعاد العطار، أرداش كاكافيان، علي طالب، طالب مكي، صالح الجميعي، عزام البزاز، عامر العبيدي، وسالم الدباغ وهاشم السمرجي، وسعد الكعبي.
كما بقيت ظاهرة الالتزام عند اسماعيل الشيخلي وكاظم حيدر، فيما نشط التيار الحروفي عبر تنظيرات شاكر حسن آل سعيد. وجميل حمودي، والدكتور قتيبة الشيخ نوري.
إن حركة فنية انتشرت اليوم على المستوى العالمي، وزرعت إبداعها في اصقاع العالم وأطرافه، من استراليا إلى أوروبا وأمريكا والعديد من البلدان العربية، لهي جديرة بالاستعادة والوعي والمراجعة لأنها أضحت هي المرجعية الأساسية لسفر الحركة الفنية الحديثة في بلاد الرافدين، وهذا ما فعله د. موسى القبيسي عبر غاليري زمان الذي حوله إلى ذاكرة مكانية بامتياز، فقد احتوى المعرض العراقي الذي علّقه على 46 عملاً فنياً لأجيال متعددة.
فهناك أعمال للراحل أرداش كاكافيان، وهي تشير إلى وعي بضرورة جعل الحركة المضمونية للشكل جزءاً من الموضوع الأساسي للتأليف، وقد قدّم طيلة حياته أعمالاً اتسمت بالحركة الداخلية الجياشة، فيما خالد الجادر، تخرّج في كلية الحقوق ومعهد الفنون الجميلة في العراق وحصل على الدكتوراه في الفن الإسلامي من باريس، والذي كان له حضوره الرائع في المعارض الفردية والجماعية، حيث قدّم اللوحة التي امتازت بالتقاط اكثر الزوايا اقتراباً من الذات العراقية، بل ناقش بنوع من الرومانسية أحياناً المواضيع التي كان الإنسان محورها.
أما كاظم حيدر المولود سنة 1932 في بغداد والذي حصل على ليسانس الآداب من دار المعلمين العالية ودبلوم من معهد الفنون الجميلة، حيث أكمل دراسته في فن الرسم والديكور والليتوغرافيا في الكلية المركزية للفنون في لندن وتخرج عام ،1962 فإن أبرز بداياته كانت مشاركته في معرض (المرفوضات) عام 1958. كما شارك مع الفنان القبرصي “فالنتينوس كار الأمور” عام 1966. فهو الذي تجرأ وأسس جماعة الأكاديميين عام ،1971 لكن لوحته اتسمت بذلك التقسيم التكعيبي الأخاذ مركزة على الوعي الموضوعي للعمل، وربما كانت لوحة “السجين السياسي” واحدة من أكثر العناوين إثارة.
وابن بغداد الأصيل الذي ولد في محلة “الصدرية” عام 1914 هو حافظ الدروبي الذي أنهى دراسته الفنية في جامعة “غولد سميث” في لندن سنة 1946. وهو الذي أسس المرسم الحر في العراق. وهو العضو المؤسس لجماعة الانطباعيين العراقيين، وكذلك لجماعة أصدقاء الفن. وكان المعرض والمشترك الأجمل الذي أقامه هو ذلك الذي تشارك فيه مع كل من أرداش كاكافيان ومظفر النواب عام 1960.
أجمل أعماله التي مزج فيها بين التعبيرية والتكعيبية ضمن حالة تلوين تأثيرية أبرزت مقدرته على الجمع بين وعيين اثنين هما الوعي بهارمونية اللون من جهة. وتصادم الأشكال الموزعة بأعماق مختلفة.
ومن الذين علقوا أعمالهم في هذا المعرض رعيل من الفنانيين العراقيين الشباب المقيمين خارج وطنهم، أمثال أحمد عباس، ونادين ياسين وكاظم حسين وحسن هادي وضياء الخزاعي وسيروان باران وجميل حسين وعلي عباس ومحمد علي ونزار الهادي فائق حداد وخالد القصاب وإياد حردان ومهدي الأسدي وحسن عبود ومزاحم الناصري وعبد الرحمن الساعدي وهاشم محسن. كما شارك الفنان عمران القيسي بعملين.
إن هذا الجيل المتنوع الإيقاعات هو الامتداد الحي للفن العراقي الذي ستبقى الخيوط متينة بينه وبين الجذور، والذي سيحمل أبداً رائحته الرافدينية. ولغته التعبيرية المميزة.
المبادرة التي أقدم عليها غاليري زمان ليست سهلة بل ذات دلالة عميقة تشير إلى مكانة اللوحة العراقية في الضمائر أينما حلت. وإذا كان لا بد من مناقشة أبناء الغربة الفنانين العراقيين. فإن الكتابة عنهم لا بد أن تأخذ طابعاً تأصيلياً لأن العودة إلى الأصالة العراقية هي المنطلق وهي الأساس.
[/align]
* نقلا عن الملحق الثقافي،،
دار الخليج،،