عندما طالعت صحيفة “نيويورك تايمز” وقرأت نبأ فوز أوباما بجائزة نوبل، كانت ردة فعلي الأولية والتي أجزم أنها كانت نفس ردة فعل أناس كثيرين غيري، هي أن هذا النبأ مجرد مزحة خرقاء انتقلت بالخطأ عبر مواقع الإنترنت . حصول أوباما على نوبل، يعتبر بالنسبة لي ولكثيرين سواي، مجرد نكتة أطلقها أحدهم وتحولت إلى حقيقة .
شخصياً أعتقد أن أوباما على الرغم من انتقاداتي له في ما يتعلق بالحريات المدنية وسياساته تجاه الإرهاب أظهر رغبته في إحداث “تغيير” بناء في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وفي بعض المناسبات يستحق أوباما الثناء عليه لاتخاذه خطوات في طريق السلام العام الذي تقدم جائزة نوبل لمن يسهمون في تعبيده .
أوباما غير نبرة الصوت واللهجة التي كانت الولايات المتحدة تخاطب بها العالم عامة، والعالم الإسلامي خاصة . وقد كانت كلمته في القاهرة ومقابلته مع قناة تلفزيونية عربية في الأسبوع الأول لتنصيبه، ثم إرساله شريط فيديو يخاطب فيه إيران بلهجة تصالحية، مؤشرات قوية على النهج الجديد الذي يتعامل به أوباما مع العالم الإسلامي، وبالإضافة لذلك أبدى أوباما رغبته في التفاوض مع إيران عوضاً عن تهديدها وتعنيفها . ويحاول أوبما التمهيد للانفكاك من تبعية بوش ل”إسرائيل” وكسر سياسة الخنوع والرضوخ الكامل التي ميزت عهد بوش مع “إسرائيل”، ومارس أوباما ضغطاً على “الإسرائيليين” لوقف الأنشطة الاستيطانية، وقد جعله ذلك عرضة لمخاطر سياسية محلية وحملات استهداف خبيثة تسعى لتشويه سمعته، وقد كان رؤساء أمريكا من قبله يخشون الضغط على “إسرائيل” كي لا يتعرضوا لمثل هذه الحملات والمخاطر .
ومنذ اليوم الأول له على كرسي الرئاسة، أصدر أوباما أوامره بإغلاق غوانتانامو ومنع التعذيب ظاهرياً على الأقل، وأمر كذلك بإغلاق مواقع ال”سي .آي .إيه” السوداء، وقد كانت أوامر أوباما هذه بمثابة إشارات رمزية ذات دلالات إيجابية على العالم (على الرغم من أن الافعال التي تبعت تلك الإشارات الرمزية حولتها لرموز خاوية وجعلتها مجرد كلام منمق وخاوي يفتقر للتنفيذ الحقيقي) . كذلك رفض أوباما دعم قادة الانقلاب اليميني- ساحقي الحريات المدنية- في هندوراس لمجرد كونهم مناوئين لشافيز وحلفاء لأمريكا، وبذلك اختار أوباما الوقوف في جانب غالبية حكومات أمريكا اللاتينية وهذه خطوة لم يكن بوش أو ماكين ليقدما عليها أبداً، وكنتيجة لكل الخطوات المبدئية التي اتخذها أوباما والتي ذكرتها آنفاً، تقدمت الولايات المتحدة في استطلاع عالمي نشرت نتائجه مؤخراً، من المركز السابع للمركز الأول على “لائحة أكثر الدول نيلاً للإعجاب” .
بعد كل الذي ذكرناه، نرى أن هذه التغييرات ما هي إلا خطوات أساسية تمهيدية لا تخرج عما هو متوقع إذا أخذنا في الاعتبار أن أوباما لايزال في مرحلة مبكرة من رئاسته ولم يمض سوى تسعة أشهر في منصبه . ولذلك نلاحظ أن شعبية أوباما ازدادت في أوروبا الغربية، بينما في العالم الإسلامي لم يحدث تغيير يذكر، في ما يتعلق بصورة الولايات المتحدة في أذهان الناس، وبعد نشر نتائج الاستطلاع الدولي في يوليو/تموز الفائت، قالت مجلة “دير شبيغل” الألمانية “بينما تبدي أوروبا حماساً متقداً لأوباما لا تظهر أي علامات تقدم في المناطق التي تواجه فيها الولايات المتحدة المصاعب الكبرى في سياستها الخارجية”، فالناس الذين يعيشون في الأماكن التي طالما دمرتها الأسلحة الأمريكية لا يملكون ترف الانبهار بالعبارات المنمقة والخطب المعسولة فهم لن يصدقوا أن الولايات المتحدة ستتغير حقيقة من دولة صانعة حروب إلى دولة سلام ما لم تكن هنالك إشارات حقيقية ملموسة على أرض الواقع، تحمل في طياتها سمات تغير فعلي في سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي . ولذلك استحقت لجنة جائزة نوبل الاستهزاء والسخرية بيد أن افتقار أوباما للإنجازات الحقيقية الملموسة، ليس هو السبب الأبرز الذي يدفع الكثيرين ويدهشهم من منحه جائزة نوبل، فثمة سياسات وبرامج أشرف عليها أوباما تعتبر بكل المقاييس معاكسة تماماً للسلم، فأوباما لم يكتف بتصعيد حرب أمريكا على أفغانستان، بل زاد على ذلك بأن أصدر أوامره بتنفيذ غارات جوية، دمرت القرى الأفغانية وخلفت آلاف الضحايا المدنيين فكيف ينال شخص يأمر بتصعيد الحرب وشن الغارات الجوية على المدن والقرى جائزة نوبل، وفي نفس السنة التي أمر فيها بتوجيه تلك الغارات والضربات الصاروخية الرهيبة؟
أوباما أشرف أيضاً على مواصلة الحرب الأمريكية في العراق، حيث لم تحدث عملية انسحاب فعلية من ذلك البلد، ولم ينبس ببنت شفة لمعارضة المذابح “الإسرائيلية” في غزة، تلك المذابح التي استخدم فيها الجيش “الإسرائيلي” أسلحة أمريكية، ومؤخراً خلص محقق من الأمم المتحدة إلى أن هذه المذابح ترقى لمرتبة جرائم الحرب، بل تعتبر جرائم ضد الإنسانية .
وعلى الرغم من تغير اللهجة تجاه إيران إلا أن إدارة أوباما تشدد مراراً وتكراراً على حفاظها على خيار قصف ذلك البلد، وإذا شنت الولايات المتحدة حرباً على إيران ستكون الحرب الثالثة على دولة مسلمة، وبذلك تكون أمريكا في حالة حرب مع ثلاث دول مسلمة تحت رئاسة أوباما .
وإلى جانب ذلك، يبذل أوباما كل ما بوسعه لحماية بلاده من أي شكل من أشكال المحاسبة على ما اقترفته من جرائم حرب خلال الأعوام الثمانية الأخيرة، وفي سبيل تحقيق ذلك، كاد أوباما أن ينتهك التزامات وتعهدات بلاده القانونية الدولية . وهو يشرف حالياً على توسيع الفجوة القانونية السوداء، وفي سجن باغرام، وفي الوقت نفسه يطالب بشدة بأن يكون لبلاده الحق في خطف الناس من كل أرجاء العالم وترحيلهم إلى باغرام واعتقالهم هناك لفترات غير محددة من دون توفير أي حقوق لهم .
صحيح القول بأن أوباما ورث هذه الصراعات ولم يشنها ولكن باستطاعته إنهاؤها وتغيير الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع العالم، تغييراً حقيقياً بالأفعال وليس بالكلام . ولو فعل ذلك فحينها يستحق جائزة ضخمة، ربما حتى جائزة نوبل للسلام، ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك .
ويبدو أنه على الأقل قد يفعل العكس، فهاهو يصعد احتلال أفغانستان الذي دخل عامه الثامن، ويقود العراق نحو مزيد من الصراع، ويشرف على مواجهة خطرة مع إيران، ويواصل نهج كثير من سياسات بوش/تشيني تجاه الإرهاب، والتي لطخت صورة الولايات المتحدة وشوهتها أمام العالم .
ويقود أوباما- وهذه ليست خطيئته- دولة صانعة حروب هائلة، تنفق على جيشها ما يقارب انفاق كل دول العالم مجتمعة، على تسليح جيوشها، والولايات المتحدة مسؤولة عن ما يقارب 70% من كل مبيعات الأسلحة العالمية . ونحن نحتل ونحارب حالياً، “دولتين” مسلمتين وأوضحنا بجلاء، ادخارنا “حق” مهاجمة بلد مسلم “ثالث” .
وأي شخص يحدث تغييرات حقيقية على هذه الحقائق سيصبح حينها رجل سلام بالفعل، وبالطبع ليس منطقياً أن نتوقع إحداث أوباما تحولاً سحرياً يغير الوقائع في تسعة أشهر فقط، وهو بالتأكيد لم يفعل ذلك، وعلى عكس المتوقع منه تماشى أوباما مع غالبية هذه السياسات الأمريكية السيئة وأشرف على المضي بها، رغم أنه قد يثور نقاش حول ما ارتكب من أخطاء في الماضي، ومدى مسؤولية أوباما عما يجري، ولكن في الوقت نفسه إذا دققنا النظر فلن نجد إنجازاً يذكر على صعيد السلام- حتى الآن على الأقل- بل على العكس يقود أوباما الكثير من السياسات المعاكسة للسلام . وهذا ما يجعل هذه الجائزة تبدو مهزلة مؤلمة تثير الرثاء .
لنعد قليلاً الآن للوراء، ونتذكر كيف كان الحزب الجمهوري يسعى بطريقة مقززة لتشبيه الليبراليين واليساريين بالإرهابيين بأن يقول بتطابق وجهات نظر الإرهابيين والليبراليين في قضية محددة، وكان الجمهوريون يقولون مثلاً إن اليساريين يعارضون الحرب في العراق تماماً مثلما تعارضها القاعدة أو أن خطب ابن لادن حول “إسرائيل” تتطابق مع رؤى “المخرج والمنتج السينمائي اليساري” مايكل مور .
ويبدو أن الديمقراطيين درسوا وأتقنوا وتبنوا تكتيكات الجمهوريين وها هو براد ود هاوس مدير الاتصالات في الحزب الديمقراطي، يقول في مقابلة مع صحيفة “بوليتيكو” إن الحزب الجمهوري اصطف مع الإرهابيين، وانتقد أوباما على تلقيه جائزة نوبل بطريقة أشبه بانتقادات حماس وطالبان التي سمعناها هذا الصباح على الجائزة، وأضاف ود هاوس قائلاً “الجمهوريون يقدمون السياسة على الوطنية” .
وهكذا، يبدو وفقاً للحزب الديمقراطي ان من ينتقد منح نوبل لأوباما يصبح شخصاً يفتقر للوطنية وكارهاً لأمريكا .
* ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وله مؤلفات عدة حول السياسة الدولية وحقوق الإنسان أبرزها كتابيه “كيف يعمل المحارب؟” و”تركة مأساوية” ويتحدث في الكتابين عن مساوئ عهد بوش