بسم الله الرحمن الرحيم
النِّقاب والديمقراطية الزائفة
بقلم / خالد محمود الحماد
ما زلنا نسمع عن حلم الديمقراطية وسحرها وحريتها التي لا حدود لها، وهي ركن أصيل للفكر الليبرالي
وقد سايرهم العالم بديمقراطيتهم التي يزعمون، ولكنهم كانوا أول الكافرين بها؛ لأنها مكَّنت الإسلاميين من اعتلاء عرش البرلمان
كما أنها أسقطت شبحهم الجاثم على صدر البرلمان منذ عقود، والذي كان لهم صوتًا عاليًا ينشر فكرهم، ودرعًا واقيًا لطرحهم
وبالتالي جالبًا لشتى المناصب لرجالاتهم دون غيرهم، ولم تنل الأمة من هذه الأثرة إلا خيبة وخسارة
واستمرت في تبعية للغرب لا تمتُّ لنا بفائدة، كزارع شجر الزيتون في بحرٍ متلاطم لا ساحل له، ولا مستفيد من ذلك الزرع إلا ذلك البحر
فقد ابتُلع الزرع؛ لأنه مات بفقده لأرضه، هكذا يريدوننا مع باقي الأمم، نقلِّدهم في كل شيء حتى في التَّعرِّي.
وما أن نشأت الصحوة الدينية
وانتشر الحجاب ليعمَّ به الطهر والعفاف، وامتلأت المساجد بالرُّكَّع السُّجَّد، واكتظَّت مكة والمدينة بالحجيج والمعتمرين،
واعتلى المتديِّنون المناصب والوزارات وأصبحوا قريبين من ولاة الأمر - حتى هاج وماج العلمانيون، بعد خيبة أملٍ
سقط على إثرها تمثالُهم الذي أسقطه وعيُ الناس لحقائق الأمور، وأن الخير كل الخير في الانتصار للدين؛ قال - تعالى -: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7].
وبذلك رُفِضت الحرية السَّافرة، التي معيارها (كل شيء مباح)!!
وبذلك يُشغل شبابُ المسلمين بجميع ما لذَّ وطاب؛ ليكونوا سُكارى عن قضاياهم وقضايا أوطانهم، وهذه نتائج التغريب وأولئك أدواته وجنده
فأيُّ حرية وفكر وتنوير بعد كل هذا؟!
فإن كانت نتائج الديمقراطية على ما تشتهي أنفسهم، فهي هي، وإن كانت تخالف هواهم وما يرمون إليه، فعندئذ يصبح الحجاب تخلُّفًا
والنقاب تشدُّدًا ورجعية، واللحية تنطُّعًا وإرهابًا، وها هي أفئدتهم ترقص فرحًا، مما جادت به قريحة شيخ الأزهر!!
وها أنذا أقرأ لأحدهم وهو يكتب بقَيْح قلمه ودخينة نفسه، ولن أذكر اسمه؛ لأنه يجرح الحلق بحروفه الجافة وغير المتجانسة
كما هي ركاكة أسلوبه، وسخف عبارته، وقلة علمه، وعلو جهله - عافانا الله وإيَّاكم.
وإليك بعضَ سقطاته ومن مضحكات كلماته، حيث يقول:
"إن جمهور الفقهاء قد أجمعوا على أنَّ الوجه واليدين ليسا بعورة"، ولم يُفَرِّق بين اتِّفاق الجمهور وبين الإجماع، وهل للجمهور إجماع؟!
والإجماع إن انعقد كان حجة بينما قول الجمهور لا حجة فيه، بل لا عبرة به إن خالف الدليل، و مَنْ تكلَّم بغير فنه أتى بالعجائب!!
وكرَّر في محور جهله عبارته الغثة:
"النقاب عادة ليست عبادة" وكان الأفصح أن يقول: "النقاب عادة وليس عبادة"، ويا ليت شعري من أين له بهذا الحكم؟! غير أن الجهل داءٌ عضال
ويبدو أنه ينعق بما يسمع ولا يفقه ما يخرج من فيه!!
لأن الخلاف بين أهل العلم في ستر الوجه على قولين اثنين: أحدهما - وهو قول الجمهور - سنة مستحبة، والقول الآخر: واجب، فافهم، لعلك تفهم!
ثم وصف اللباس الشرعي وصوَّره لنا بقوله:
"إن المرأة ما دامت تلبس الملابس الشرعية وتراعي الاحتشام، فإنها تكون قد حققت اللباس الشرعي"، وما هو يا صاحب الشرع؟!!
قال: "ما تدعو إليه الشريعة الإسلامية من أن الملابس لا تصف شيئًا من جسدها، ولا تكشف شيئًا من مفاتنه سوى الوجه والكفين، ولا يشف أو يلفت النظر".
فبالله عليك، هل تقول بهذا؟! لا أظن، والدليل امتداحك غير المحدود لأتاتورك وما فعل أتاتورك! وقد أمر بالحجاب فنُزع! فأين المفر؟!!
وهل النقاب من موروث الدولة العثمانية كما ذكرت
كلا والذي فطر السموات والأرض؛ بل هو من موروث محمد - صلى الله عليه و سلم - رغم أنف المتهتِّكين!
وإليك ما يكسِر قلمك ويظهر جهلك:
فقد روى البخاري والنسائي وأحمد عن ابن عمر مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه و سلم -: ((لا تنتقب المرأةُ المحرِمة، ولا تلبس القُفَّازين))
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا مما يدل على أن النقاب والقُفَّازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحرِمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن و أيديهن".
وروى أبو داود وأحمد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان الركبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرِمات
فإذا حاذوا بنا أسدَلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا".
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال"؛ أخرجه الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وهذا فيه الكفاية لمن أراد الحقَّ والهداية
وإلاَّ فالأدلة كثيرة، وكتب السنة مشحونة بذلك، ولكن مَنْ أراد الفساد عرف طريق الإفساد، ويبدو أن المرأة مستهدَفة، فاليوم تخلع النقاب، وغدا الحجاب
وبعدها سلعةٌ لمن يرغب!! والله المستعان، ولكن نور الله لا تُغَطِّيه غرابيلُ المفسدين.
والحمد لله رب العالمين.