مقطع من جدارية محمود درويش





والزبَرْجَدِ،

يا دَمَ الطاووس، يا قَناصَ قلب


الذئب، يا مَرَض الخيال! اجلسْ


على الكرسيّ! ضَعْ أَدواتِ صيدكَ


تحت نافذتي.وعلقْ فوق باب البيت


سلسلةَ المفاتيح الثقيلةَ! لا تُحَدقْ


يا قوي إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ


الضعف الأَخيرةَ.أَنتَ أَقوى من


نظام الطبّ.أَقوى من جهاز


تَنَفسي.أَقوى من العَسَلِ القويّ،


ولَسْتَ محتاجاً - لتقتلني - إلى مَرَضي.


فكُنْ أَسْمَى من الحشرات.كُنْ مَنْ


أَنتَ، شفافاً بريداً واضحاً للغيب


كن كالحُب عاصفةً على شجر، ولا


تجلس على العتبات كالشحاذ أو جابي


الضرائبِ.لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في


الشوارع.كن قويّاً، ناصعَ الفولاذ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ


الثعالب.كُنْ


فروسياً، بهياً، كامل الضربات.قُلْ


ماشئْتَ: “من معنى إلى معنى


أَجيءُ.هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ، وأَنا


أكثفُها، أُعرفُها بسُلْطاني وميزاني”


ويامَوْتُ انتظرْ، واجلس على


الكرسيّ.خُذْ كأسَ النبيذ، ولا


تفاوِضْني، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَي


إنسانٍ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ


الغيبِ.استرح ح فَلَرُبما أُنْهِكْتَ هذا


اليوم من حرب النجوم.فمن أَنا


لتزورني؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار


قصيدتي. لا. ليس هذا الشأنُ


شأنَكَ.أَنت مسؤولٌ عن الطيني في


البشري، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ /


هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها .


هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد


الرافدين.مِسَلةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ،


النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ


وانتصرتْ، وأفْلَتَ من كمائنك


الخُلُودُ ح


فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ


وأَنا أُريدُ، أريدُ أَن أَحيا ح


فلي عَمَلٌ على جغرافيا البركان .


من أَيام لوط إلى قيامة هيروشيما


واليبابُ هو اليبابُ.كأنني أَحيا


هنا أَبداً، وبي شَبَقٌ إلى ما لست


أَعرف.قد يكون “الآن” أَبعَدَ


قد يكونُ الأمس أَقربَ.والغَدُ الماضي.


ولكني أَشد “الآن” من يَدِهِ ليعبُرَ


قربيَ التاريخُ، لا الزمَنُ المُدَورُ،


مثل فوضى الماعز الجبلي. هل


أنجو غداً من سرعة الوقت الإلكترونيّ


أَم أَنجو غداً من بُطْء قافلتي


على الصحراء؟ لي عَمَلٌ لآخرتي


كأني لن أَعيش غداً. ولي عَمَلٌ ليومٍ


حاضرٍ أَبداً. لذا أُصغي، على مَهَلٍ


على مَهَل، لصوت النمل في قلبي:


أعينوني على جَلَدي. وأَسمع صَرْخَةَ


الحَجَر الأسيرةَ: حَرروا جسدي.وأُبصرُ


في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بَلَدٍ


تُرَابيّ إلى بَلَدٍ سماويّ. وأَقبضُ في


يد الأُنثى على أَبَدِي الأليفِ: خُلِقتُ


ثم عَشِقْتُ، ثم زهقت، ثم أَفقتُ


في عُشْبٍ على قبري يدل علي من


حينٍ إلى حينٍ.فما نَفْعُ الربيع


السمح إن لم يُؤْنِس الموتى ويُكْمِلْ


بعدهُمْ فَرَحَ الحياةِ ونَضْرةَ النسيان؟


تلك طريقةٌ في فك لغز الشعرِ


شعري العاطفيّ على الأَقل.وما


المنامُ سوى طريقتنا الوحيدة في الكلام


وأَيها الموتُ التَبِسْ واجلسْ


على بلوْرِ أَيامي، كأنكَ واحدٌ من


أَصدقائي الدائمين، كأنكَ المنفي بين


الكائنات.ووحدك المنفي.لا تحيا


حياتَكَ.ما حياتُكَ غير موتي.لا


تعيش ولا تموت.وتخطف الأطفالَ


من عَطَشِ الحليب إلى الحليب.ولم


تكن طفلاً تهز له الحساسينُ السريرَ،


ولم يداعِبْكَ الملائكةُ الصغارُ ولا


قُرونُ الأيل الساهي، كما فَعَلَتْ لنا


نحن الضيوفَ على الفراشة. وحدك


المنفي، يا مسكين، لا امرأةٌ تَضُمك


بين نهديها، ولا امرأةٌ تقاسِمُك


الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحي


المرادفِ لاختلاط الأرض فينا بالسماءِ .


ولم تَلِدْ وَلَداً يجيئك ضارعاً: أَبتي،


أُحبكَ.وحدك المنفي، يا مَلِكَ


الملوك، ولا مديحَ لصولجانكَ.لا


صُقُورَ على حصانك.لا لآلئَ حول


تاجك.أَيها العاري من الرايات

* نقلا عن دار الخليج،،