خمس سنوات على الرحيل
في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات، كان الرحيل المؤلم لمؤسس هذه الدولة وباني نهضتها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.
وحين نتحدث عن الرحيل تتداعى صور كثيرة، خاصة لدى الجيل الذي شهد إرهاصات الاتحاد وتفتحت عيونه على بداياته التي كانت مثل حلم جميل يداعب الخيال، لكنه حلم غير مستحيل لأنه كان تكريسا لأمر واقع، وصياغة لشكل آخر من العلاقة بين الإمارات التي لم تكن قد عرفت بعد شكل الدولة الذي يجمعها كيان واحد يضعها ضمن منظومة الدول الحديثة المستقلة، ليشكل هذا الحدث نهاية مرحلة من تاريخ هذه الأرض، وبداية مرحلة جديدة شكلت تجربة فريدة، ليس في تاريخ شعب الإمارات فقط، وإنما في تاريخ الشعوب عامة، يؤخذ منها المثل والعبرة لإرادة التوحد والبناء، في عصر كان يتجه للكيانات القوية الموحدة وينبذ الكيانات الضعيفة المتفرقة.
ثمة الكثير الذي يمكن أن يكتب أو يقال في مناسبة كهذه، ربما يعتبرها البعض هي الأخرى نهاية مرحلة وبداية مرحلة، فغياب المؤسسين غالبا ما ينعكس سلبا على المؤسسات، فما بالك بالدول، لاسيما تلك التي على شاكلة دولتنا ذات النظام الفيدرالي الذي تقسم السلطات فيه دستوريا بين حكومة مركزية ووحدات حكومية أصغر، تتقاسمان السيادة وفق نظام يحدد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لكل منهما.
لكن هذه المخاوف تتبدد عندما تتوفر للدولة الفيدرالية أهم شروط قيامها؛ تلك التي تتلخص في وجود ارتباط عرقي وتاريخي وثيق بين الوحدات المكونة لها، الأمر الذي يجعلها قادرة على حمل هوية وطنية مشتركة لا تتصادم في تفاصيلها، إضافة إلى توفر الرغبة في الوحدة الوطنية، ولا نعتقد أن أيا من هذين الشرطين لم يكن متوفرا لدولة الإمارات العربية المتحدة عند قيامها في الثاني من ديسمبر عام 1971م.
لذلك فإن آلام الفقد للقائد المؤسس يوم الثاني من نوفمبر عام 2004، تجسدت في اللوعة التي شعر بها الجميع لغياب الرمز الذي ارتبط به الاتحاد على مدى ثلاثة وثلاثين عاما، كان وجه المؤسس خلالها لا يغيب عن أي منجز يتحقق على هذه الأرض، إلى الدرجة التي ارتبط فيها اسم (زايد) بكل شيء في هذه الدولة، ليس بقرارات وفرمانات كما يحدث في الديكتاتوريات التي نعرفها جيدا، وإنما عن حب نابع من القلب، تجلى في أبهى صوره لحظة الغياب الموجع الذي أدمى القلوب وأدمع العيون.
غياب المؤسس طرح تساؤلات عدة عن المسيرة، مصدرها الخوف على هذا الكيان الذي كان يعيش مرحلة النضج بعد ثلاثة وثلاثين عاما من تأسيسه، كان صمام الأمان خلالها وجود القائد المؤسس الذي تُحَلّ بيده كل المشاكل وتهون عنده كل المصاعب، تحلها حكمته التي لم تتخل عنه يوما، ويهوِّنها حنانه الأبوي الذي يُشعِر كل مواطن بالأمان لأنه في »دار زايد الخير« الذي ذلل الصعاب وتحدى المستحيل، فحوّل الإمارات خلال سنوات قليلة إلى دولة عصرية، وقدمها نموذجا ناجحا لإرادة التحدي في صناعة الدول الحديثة.
رحل القائد بجسده، لكن روحه ظلت ترفرف على الوطن وأبنائه، وتم انتقال السلطة بسلاسة يحسدنا عليها الكثير من الدول، لأن أبناء زايد الذين عايشوا إرهاصات الاتحاد وبداياته تشربوا روح القائد المؤسس، وآمنوا بأن الاتحاد قدر أبناء هذه الأرض ومنجزهم الذي لا يمكن التخلي عنه. لذلك واصلت سفينة الاتحاد إبحارها، يدفعها حرص الأبناء على منجز الآباء، وإيمانهم بأن هذا الكيان الاتحادي قد وُجِد ليبقى، خاصة وأن ثمة جيلا قد وُلِد ونشأ وترعرع في حضن الاتحاد.
ولم يعرف له حضنا غيره، بل من الصعب، إن لم يكن مستحيلا، إقناعه بالعودة إلى ما قبل الثاني من ديسمبر 1971، لأن كل ما تحقق له من تعليم وصحة ومسكن ومرافق حيوية، كان بفضل الاتحاد الذي أسسه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، والرجال المخلصون الذين كانوا معه وحوله، يضعون اللبنات الأولى ويرفعون البناء ويعلون الصرح، ليصنعوا تاريخا جديدا لهذه الأرض سوف يبقى خالدا تستلهم منه الأجيال القادمة وتتعلم وترسم خطواتها المقبلة كي لا تحيد عن الطريق.
واليوم، وبعد خمس سنوات من رحيل القائد المؤسس واستمرار المسيرة على النهج نفسه الذي اختطه المؤسسون الأوائل ـ دون إغفالٍ لمتغيرات العصر ومستجداته ـ يتأكد عاما بعد عام أن الأساس الذي وضعه زايد وإخوانه كان قويا إلى الدرجة التي لا تسمح لأي ريح بأن تهز البناء أو تحركه.
صحيح أن هناك أقلاما وأصواتا تطلق بين فينة وأخرى نداءات تحذير، خوفا على هذا الكيان من ضياع الهوية أو طغيان المحلي على الاتحادي أو غيرها من المحاذير والمخاوف، لكنها أقلام وأصوات مخلصة للوطن، يفرض عليها هذا الإخلاص أن تقرع الأجراس كلما أحست بالخطر، وهذا هو النهج الذي ربانا عليه القائد المؤسس وأكده أكثر من مرة أبناؤه المخلصون، لذلك نقول للراحل العظيم في ذكرى يوم الفقد الأليم:
نم هانئا مطمئنا أيها الأب الحاني، فما زلت مقيما بيننا رغم غياب الجسد، فالعظماء أمثالك لا يغيبون لأنهم مقيمون في القلب، ومن كان في قلبه قائد عظيم مثلك كان الوطن ملء سمعه وبصره.