«طبل الصفيح».. نصف قرن من القرع المدوي



لا يزال الكاتب الألماني الحائز على جائزة نوبل للآداب غونتر غراس يحتفل بمرور نصف قرن على ولادة رائعته الأدبية «طبل الصفيح». مر عبر برلين في يوليو الماضي ووصل، مؤخرا، إلى مسقط رأسه في مدينة غدانسك البولندية ليشارك هناك في فعاليات هذه الذكرى العزيزة على قلبه وقلوب الكثيرين حول العالم.



زيارة غراس للمدينة التي رأى فيها النور أول مرة قبل أن يصار إلى ضمها للأراضي البولندية عام 1945 تتويج لمهرجان «غراسومانيا»، الذي يضم سلسلة من الأنشطة والفعاليات التي تحتفي من خلالها «غدانسك» بمرور 50 عاما على ميلاد هذه الرواية المثيرة للجدل و30 عاما على ترجمتها للغة البولندية.



رواية «طبل الصفيح»، التي تعد بحق العمل الأدبي الذي غير وجه ووجهة مجمل الأدب الألماني في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، هي الرواية الأولى التي كتبها الأديب الألماني المثير للجدل غونتر غراس، الذي افتتح، مؤخرا، معرض «كتاب يكتب تاريخا» في المنزل الذي ولد فيه والذي تحول إلى متحف يحمل اسمه.



غونتر غراس دأب على سرد كيف تحول شهر يونيو 1959 إلى مفتاح أساسي في توجيه مسيرته الحياتية والأدبية وتحديد ميوله الإبداعية، تجربة بدأت بلقائه مع الناشرين الأميركيين كورت وهيلين وولف، اللذين كانا قد اطلعا على مخطوط «طبل الصفيح» والتقيا مع الكاتب الألماني في فندق في زيورخ وسألاه إذا ما كان يعتقد أن كتابه يمكن أن يجد لنفسه قراء في الولايات المتحدة، الأمر الذي كان لا يزال، في تلك اللحظة، خارج كل توقعات وتطلعات المؤلف الشاب الذي وقف مدهوشا حيال ذلك العرض الضمني المثير للاهتمام.



غراس أجابهما بالنفي وبأنه لا يعتقد بذلك، وأنه سيتفاجأ وتسيطر عليه الدهشة إذا ما لاقت روايته تلك نجاحا حتى في بافاريا نفسها، لأن كل ما يجري من أحداث في متن ذلك الكتاب مرتكز على «منطقة بلطيقية نائية» وعلى مصير أقلية غير مهمة، وبالتالي فإن الأمر برمته لا يعدو كونه يتعلق برواية «تفوح منها رائحة الأقاليم» القصية.



لكن وعلى الرغم من ذلك الوصف البانورامي الذي استعرضه غراس حول كتابه أمام الناشرين الأميركيين، إلا أن كورت وولف اتخذ القرار بأن يظهر الكتاب في الولايات المتحدة، ما دفع غراس وقتها إلى تسطير العبارات التالية:«يبدو أن شرحي كان مقنعا رغم انه كان يتعلق بمحاولة لاغفال مسألة نشر الكتاب. لكنه أدرك الأمر وقال لي إن كل أدب عظيم يرتكز على الأقاليم لكنه يفقد هذه الخاصية ولا يعود إقليميا ما يجعله قابلا للفهم في العالم كله».



الكتاب وجد لنفسه قراء في الولايات المتحدة، تماما مثلما حصل في بفاريا وفي جميع أنحاء العالم قاطبة، وأصبح غراس، عمليا، بين ليلة وضحاها أحد أكثر الوجوه شهرة في الأدب المعاصر.



حتى اللحظة التي طبعت فيها «طبل الصفيح»، كان غراس يرى نفسه، في المقام الأول، نحاتا كان يحب بالإضافة إلى ذلك المسرح والشعر وعندما شرع في كتابة قصة أوسكار ماتزيراذ، اعتقد أن الأمر كان يتعلق ليس بروايته الأولى فحسب وإنما بروايته الأخيرة أيضا.



بيد أن مقاربته لعالم طفولته، في داينتسيغ، فتح له الباب واسعا أمام عالم من القصص التي كان يتعين عليه أن يرويها لاحقا، ولذلك تتالت رواياته فكانت «القط والفأر» و» أعوام الكلاب»، اللتان كانتا في طريقهما إلى أن تشكلان مع «طبل الصفيح» ثلاثية» داينتسيغ» التي ذاع صيتها أينما كان.



رواية غراس الأولى أثارت، منذ البداية، جدلا واسع النطاق لم يثره أي عمل أدبي ألماني في كل تاريخ أدب ما بعد الحرب العالمية الثانية. فحتى قبل صدورها وذلك عندما قرأ بعض الأجزاء من المخطوط في مؤتمر لمجموعة ال47 الشهيرة، استقبل العمل بحماسة كبيرة بين الأوساط الأدبية.



تدور أحداث هذه رواية «طبل الصفيح»، في معظمها، في مسقط رأس الكاتب في مدينة دانتسيغ، التي يعيش فيها أوسكار، بطل رواية، وهو طفل معاق يأبى النمو بصورة طبيعية كبقية أقرانه ليتحول إلى شاهد على تاريخ لا يمحى، أراد له غراس أن لا يكبر في إدراكه الحسي للأشياء فظلت مداركه مدارك ولد يافع غير مكتمل النضوج، بعدما شاهد من أحد شقوق مبنى قديم كان يمارس فيه هواية القرع على الطبل، ثلة من الجنود وهم يقتلون عددا من الأشخاص.



«طبل الصفيح»، وضعت غراس في صدارة الذين كتبوا عن ذكريات ومخلفات الحرب العالمية الثانية وأوجاعها باللغة الألمانية لينال بذلك شهرة عالمية متعاظمة، لا سيما بعد أن ترجم هذا العمل الأدبي الكبير إلى لغات عالمية كثيرة من بينها اللغة العربية، التي أبدى الكاتب إعجابه غير مرة فيما تعبر عنه من حضارة عريقة.



لكن كان لا بد، وسط بيئة مفرطة في الحياء والحشمة كانت سائدة في خمسينات القرن الماضي، من ظهور ردود أفعال سلبية على الرواية أيضا، فلقد اتهم الكاتب، من بين أمور أخرى، بأنه يمارس الكتابة الإباحية والتجديف والزندقة وذلك بسبب عدد من المشاهد الواردة في كتابه، الذي لا أحد يراوده الشك بأنه كسر الكثير من المحظورات والتابوهات التي كانت سائدة في تلك الفترة المبكرة من عمر الأدب الألماني المعاصر.



ويرى الكثيرون أن هوية غراس الأدبية لا تزال لصيقة برواية «طبل الصفيح» وأنه لا يزال يستنشق منها عبير وروح ذلك الروائي المغامر التواق إلى كل جديد، الأمر الذي يلهب أحيانا، ولو لوهلة من الزمن، مشاعر المؤلف الذي يرغب بأن تؤخذ أعماله بصورة مجتمعة.



غونتر غراس لم ولن يدر ظهره للاحتفالات بخمسينية روايته الشهيرة وسيشارك في معرض فرانكفورت للكتاب للاحتفاء بهذه الذكرى، وذلك في المكان عينه الذي تم فيه إطلاق الكتاب الذي أطلقه بدوره إلى عالم الشهرة والأضواء، فضلا عن أن دار النشر التي تمتلك حقوق إعادة طباعة الرواية «ستيدل»، أصدرت بهذه المناسبة طبعة تذكارية خاصة منها توثق لقصة ظهور الكتاب كذلك.



سيرة غراس الذاتية تشي بأننا نقف أمام قامة ابداعية تتصف بالشمول فهو روائي ومسرحي وشاعر وكاتب للخطب السياسية ونحات. ولد في دانتسيغ بألمانيا عام 1927، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها. أدى غراس خدمته العسكرية في الجيش عام 1944 برتبة مساعد في سلاح الطيران، وسرح، لكن سرعان ما استدعي لميدان القتال.



وجرح في كوتبوس ونقل إلى المستشفى العسكري، حيث وقع أسيرا بيد القوات الأميركية في نهاية الحرب. وبعد أن استعاد حريته، عمل مزارعا ثم عاملا في منجم للبوتاسيوم. وفي عام 1947 بدأ دراسة النحت في دوسلدورف.



ما بين عامي 1953 و1955 عاد لدراسة النحت، وزاد عليه الغرافيك بأكاديمية الفنون الرفيعة في برلين، وقام برحلات عديدة إلى إيطاليا وفرنسا وإسبانيا. تزوج مؤلف «تقشير البصل»، مرتين، الأولى من آنا مارغريتا شوارتز عام 1954 وانفصل عنها عام 1978، والثانية عام 1979 من أوتي غرونرت.



في عام 1956انتقل مع آنا، راقصة البالية، إلى باريس، حيث بدأ كتابة روايته الأولى «طبل الصفيح»، التي ظهرت عام 1959، ومنحته شهرته الواسعة، ولقد استغل تلك الشهرة سياسيا في وقت لاحق.كما كتب غراس في خمسينات القرن الماضي العديد من المسرحيات، إلا أنها لم تحقق مثل تلك الشهرة المدوية أو النجاح منقطع النظير الذي حظيت به «طبل الصفيح»، التي تحولت إلى فيلم بعد عشرين عاما من ظهورها وحقق ذلك الفيلم، الذي لعب دور البطولة في دافيد بينيت، في دور أوسكار، وماريو آدورف، في دور ألفريد ماتزيراث، نجاحا كبيرا.



بيد أن اشتغال غراس بالشأن العام لم يقتصر على العمل السياسي وتاريخ ألمانيا الحديث والمعارك الانتخابية هناك، والقضايا الاجتماعية المعاصرة، فلقد اتسعت دائرة اهتماماته في سبعينات القرن الماضي لتشمل ميادين أخرى مثل فن الطهو وعلم الأحياء وعلاقة الكائن الحي ببيئته.



ارتحل غراس إلى الهند للمرة الأولى عام 1975 فأحبها ما دفعه إلى العودة إليها عام 1986 فأمضى هناك عاما كاملا، كتب خلاله تأملاته وانطباعاته عن تلك الزيارة المؤثرة، التي ظهرت نتائجها في كتاب عام 1988 يعرض فيه لمشكلة الفقر في بلدان العالم الثالث، ولكنه في عام 1989، اتخذ موقفا سياسيا انعزاليا ربما لأنه فقد أمله في الأدب كوسيلة في مواجهة كوارث العالم من فقر وجوع وهوس بالتسلح النووي وإلحاق الضرر بالبيئة وغيرها.



حصل غراس، الذي أطلق عليه مواطنوه ضمير ألمانيا الحي، عام 1999 على جائزة نوبل للآداب عن دوره في إثراء الأدب العالمي وخصوصا في ثلاثيته الشهيرة «ثلاثية دانتسيغ»، بالإضافة إلي جوائز محلية كثيرة منها جائزة «كارل فون اوسيتسكي» عام 1967 وجائزة الأدب من قبل مجمع بافاريا للعلوم والفنون عام 1994. وفي عام 2005 منحته جامعة برلين شهادة الدكتوراه الفخرية.



لغراس رأي في الأدب العربي يقول فيه:



«لقد تسنى لي أن اقرأ بعض النصوص الأدبية العربية المترجمة إلى الألمانية، فاكتشفت كم نحن بحاجة إلى المزيد، ليس لأنه أدب آخر فحسب، وإنما لأنه أدب يتحلى بكثير من الخلق والتنوع والأهمية أيضا، ويعالج الموضوعات التي تشغلنا بعين أخرى».



باسل أبو حمدة
البيان الاماراتية