للمسافات أسماء
ماجد بوشليبي
* دار الخليج
المسافة بين الذاكرة والقلب هي المسافة ذاتها بين القلب والقدس، فكلتا المسافتان تقطعان الوجه، وكذلك هي الأيام عندما تتقارب كيوم “الاثنين” في الخامس من يونيو/حزيران وبعده بليلتين جاء السابع من يونيو/حزيران عندما احتُلت القدس في ليلة كهذه التي تأتي فيها ليلة الإسراء ليلتان تقطعان الوعد للمنبر والأبواب والقبة والفسيفساء الزرقاء، ذلك المنبر الذي أمر نور الدين زنكي بصناعته قبل أن يستعيد صلاح الدين بيت المقدس بعشرين سنة، حيث رُكب من ستة عشر ألف قطعة خشبية جمعت دون رابط أو لاصق بينهما، ونقله صلاح الدين من حلب الى المسجد الأقصى، في ذلك اليوم من يونيو/حزيران درجت طفلا صغيراً، تخدعني الذكريات ولا أدري ان كانت سانحة الصمت والسكون، أو صالحة للعب واللهو . أم أن الأبواب أغلقت قسراً لأمر جلل مُنعنا فيه من الخروج واللعب، ولم يسمح لنا والدي بمغادرة باب المنزل لنلعب في ساحة الحي، وكانت الاذاعة منذ الفجر تردد صوت عبدالوهاب الشجي الحزين “أخي جاوز الظالمون المدى”، كبرنا ومازال في كل عام يغني في مثل هذا اليوم “مجد العروبة والسؤددا”، ومضات الذاكرة في طفولتي المبكرة بين فترة وأخرى أراها فيّ تبرق صورها لتسكنني بعدها مسحة من صمت وحزن يوم كهذا، ويوم كيوم وفاة عبدالله السالم أمير الكويت في العام ذاته، ويوم كيوم وفاة عبدالناصر عندما أذاع نعيه الراديو عند الساعة السادسة صباحا . وذاك كان يوم لم نذهب فيه الى المدرسة، تلك الومضات تتسابق الى ذهني في سني عمري الأولى، وكانت تشكل أحداثاً ادركتها رغم حداثة عهدي أثّرت في محيطي وفي صور ذهنية متتابعة في مرحلة الابتدائية التي كنت أدرس بعض فصولها آنذاك في الكويت، فلسطين لم تخرج من كراسة التعبير طوال تلك المرحلة، كما لم تغب قصائد ك “موطني” لإبراهيم طوقان، وكما لم يخرج الأقصى والقبة من كراسة الرسم .
كذلك “حين كان للشوارع أسماء” كتاب بقطع صغير لأعمار صغيرة تتلمس طريق القراءة بأسلوب سهل، تتحدث المؤلفة رندة عبدالفتاح عن فتاة صغيرة ترى في حفنة من تراب بيت جدتها في القدس سبباً لإنقاذ حياة جدتها المريضة، فتقوم بالرحلة في ظل عقبات كالجدار العازل الذي يفصل الضفة الغربية، وحظر التجول ونقاط التفتيش، ورغم سلاح التخويف والتفتيش وجرافات الهدم، كتاب ينبش الذاكرة من جديد، كما تصنع مثله قصيدة درويش “إلى أمي” الحنين، وعندما يحن إلى قهوة أمه أو عندما يقول في مؤلفه حضرة الغياب السردي “أما الأحلام فلن تجد لها متسعاً في بيت طيني مبني على عجل كقن دجاج”، ومثلما تفعل مسرحية أيام الخيام من إخراج روجيه عساف، وفيلم الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين .
الطفولة عندما تعيش ذاكرة لا تنقصها الأناشيد الحماسية، وحكايات الحنين تبرعم الذكريات فتصبح كلها صالحة للنبش عند كل لحظة، فمهما ذهبنا في العمر، لا تنقصها الصور ولا الخيالات عندما تفيض تأتي من رواية كرواية المتشائل لاميل حبيبي أو العائد لكنفاني أو ذاك الفيض الجميل الذي نردده لأبي سلمى:
ودّع ظلالك يا حمام الوادي
ألوى الزمان بغصنك المَيّاد
من بعد سرحته وعذب نميره
نم في الهجير وأنت طاو صاد
تمر هذه الأيام الذكرى، ولا تذهب من الذاكرة، ولا يسكن حنينها عند جيل رأى هو ليس كمن سمع .