فتاة تدخل المستشفى بعيب خلقي بسيط وتخرج على كرسي متحرك
تعايشت الفتاة العربية «أ.ع» 29 عاما مع العيب الخلقي البسيط في مفصلها ومنطقة الحوض الذي تسبب لها فيه خلع ولادي منذ الطفولة، إلا أن رغبتها في تصحيح العيب الخلقي ظل يلح عليها، فلجأت لأحد المستشفيات الخاصة بعد أن شاهدت في إعلاناتها التجارية بأنها مستشفى متخصص في مجال العظام ولديها أكفأ الأطباء في العالم، حسب الإعلان.
الرغبة الملحة ساندها ما جاء في الإعلان، لتسلم «أ. ع» نفسها إلى المستشفى الذي خرجت منه على كرسي متحرك نتيجة شلل تام في رجليها تسببت فيه الأخطاء الطبية هناك. حالة «أ.ع» يبدأ بروايتها وكيلها المحامي عبدالله آل ناصر من مجموعة آراء للمحاماة والاستشارات القانونية، فموكلته تم تشخيص حالتها أثناء ما كان عمرها 6 أشهر، وتبين في ذلك الوقت أنها تعاني من خلع ولادة، وكانت تعالج في مستشفى راشد بالطرق التحفظية التي ساعدتها في سنينها الأولى.
أثر بسيط
استمر العيب الخلقي في المفصل لدى «أ. ع» ومنطقة الحوض حتى كبرت، إلا أنه كان ذا أثر بسيط جدا على الشكل التام لاستقامة مشيتها،كما يصف المحامي، ولم يكن له أي أثر على حياتها الشخصية أو العملية، إلا أن رغبتها في تصحيحه ظل يلح عليها، فلجأت لمستشفى خاص بعد أن قرأت ذلك الإعلان.
قررت موكلتي بدون تردد، يتابع المحامي روايته، إجراء عملية جراحية عرض إجراءها أحد أطباء العظام بالمستشفى مؤكدا لها سهولة هذه العملية علاوة على نتائجها المضمونة. سلمت المدعية نفسها للمستشفى في نوفمبر 2006، كما يذكر المحامي، وذلك لإجراء عملية تركيب المفاصل في الحوض بعد أن تم أخذ قياسات المفاصل ومكان تركيبها، وإعداد كل الأدوات والأجهزة حسب تلك القياسات المفترض دقتها، وبعد تخدير المدعية وقبل بدء العملية، تبين للطبيب المعالج أن المفاصل ليست على مقاس رجل المدعية وتقرر وقف العملية، وعلل الطبيب المعالج بأن الخطأ الفادح في المقاس هو من الشركة الموردة للمفاصل.
ويتابع المحامي رواية تفاصيل مسلسل الأخطاء التي ارتكبت بحق موكلته في المستشفى، ففي يناير 2007 قررت إدارة المستشفى للمدعية جاهزيتها لإجراء العملية وأنها ستنجح بنسبة 100%، وأخطرتها بأن العملية لن يستغرق إجراؤها أكثر من خمس ساعات، ودخلت المدعية غرفة العمليات وخرجت بعد مرور أكثر من عشر ساعات وهي في حال يرثى لها، وبدأ مشوار معاناتها، حسب ما يصف المحامي، من آلام الجراحة إلى تمزق أعصاب رجلها وما تجاوز ذلك من سوء نتائج العملية التي لم تخطرها بها المستشفى، وقبل انقضاء شهر على العملية الأولى غير محددة النتائج نصح الطبيب «أ.ع» بإجراء عملية أخرى بالرجل الثانية بعد إفهامها بنجاح العملية الأولى، وبالفعل أجرت المدعية العملية الثانية مع إعادة مسلسل المعاناة.
بعد انتهاء العمليتين تبين للفتاة النتائج السلبية لهما، إذ تبين أن المفاصل بدأت تخرج عن موضعها بشكل متواصل، مما أدى إلى تحويلها لأخصائي عظام آخر في ذات المستشفى، وفوجئ الأخصائي من الأخطاء الحاصلة وقرر إجراء عملية تصحيح لها، ودخلت المدعية غرفة العمليات سبع مرات تحت حجة تصحيح الخطأ، عانت على إثر ذلك من أخطاء طبية جديدة وجسيمة.
دعوى ضد المستشفى
ويضيف المحامي آل ناصر أن موكلته تقدمت بدعوى ضد المستشفى، وقررت المحكمة ندب لجنة ثلاثية من الأطباء المتخصصين في الجراحة والعظام والأعصاب من هيئة الصحة بدبي لإصدار تقرير طبي حول حالتها، وخلص تقرير اللجنة إلى أن المدعية كانت تعاني من خلع ولادي من مفصل الفخذين، ولكنها كانت تستطيع الحركة والمشي بعرج، وعولجت بالطرق التحفظية ونصحت بعدم إجراء عملية جراحية وذلك لصعوبتها وعدم جدوى نتائجها، وقد راجعت في أكتوبر 2006، وعاينها أحد الأطباء وأوضح لها بأنها لا تحتاج لتدخل جراحي، وأن كل ما يلزمها العلاج الطبيعي وحبوب الكالسيوم.
واتصل بها المستشفى في نوفمبر 2006 لمقابلة أحد الأطباء الذي تم تعيينه حديثا، وعند مقابلته شكت له من آلام أسفل الظهر، إلا أن الطبيب أكد لها بأن المشكلة في مفاصل الوركين، ونصحها بضرورة إجراء عملية جراحية لمفصلي الوركين وهي من العمليات الكبيرة والمعقدة وتحتاج لخبرة ومهارة جراحية من الجراح، ولم يوضح لها الطبيب المعالج خطورة العملية والمضاعفات التي يمكن أن تنتج عنها، وأجرى لها عملية تبديل مفصل الورك الأيمن في يناير 2007 وتم عمل مفصل صناعي واستغرقت العملية عشرة ساعات، وأصيبت المريضة خلالها بنزيف استمر طوال العملية، مما استدعى إدخالها قسم العناية المركزة، ونتج عن العملية شلل بالساق الأيمن ناتج عن إصابة العصب الوركي، إلا أن الطبيب ذكر لها بأن كل شيء على ما يرام وأن هذا الشلل مؤقت.
وفي فبراير 2007 أجريت لها عملية تبديل الورك الأيسر مع تطويل الساق اليسرى، وانتهت العملية بشلل في الساق اليسرى ناتج عن إصابة العصب الوركي الأيسر، وأثناء العملية انخلع مفصل الورك الأيمن مما استدعى تدخلا جراحيا آخر تم في ذات الشهر، بعدها فقدت المريضة الثقة بالطبيب المعالج، وشاهدت جراح عظام في المستشفى وطلبت منه أن يعاينها، وبعد فحصها من قبله أجرى لها الجراح عمليات تصحيحية لمفاصل الوركين الأيمن والأيسر مع تقصير لعظام الفخذين، وإرجاع خلع المفصل الأيمن واستمر العلاج الطبيعي لمدة 6 أشهر، وخرجت المريضة من المستشفى وتابعت العلاج بالعيادة الخارجية.
وبفحص المريضة في شهر مايو الماضي من قبل اللجنة الطبية تبين أنها تتحرك بواسطة كرسي متحرك، وتقف مستندة على عكازين وهي غير متوازنة عند المشي ولا تستطيع المشي إلا لعدة خطوات، وتبين أن كلا القدمين في حالة سقوط ناتج عن إصابة الأعصاب «شلل» وكذلك تستعمل جبائر للقدمين للتثبيت على جانبي الفخذين، وتوجد ندوب ناتجة عن العمليات الجراحية التي أجريت، والمريضة تمشي بعرج واضح والصور الإشعاعية بينت الآثار الجراحية في مفصل الوركين مع وجود مفاصل صناعية، كما بينت آثار التطويل في عظم الفخذين، ويوجد مسمار خارج العظم في فصل الورك الأيمن، كما أن تخطيط الأعصاب بين ضعف الأعصاب الناتج عن الإصابة أثناء العملية.
واعتبرت اللجنة أنه يوجد سوء ممارسة من قبل الطبيب الذي أجرى العمليات الأولى، ونتائجها غير مرضية وتحتاج لخبرة كبيرة ومهارة لم تتوفر لديه، ولم يكن هناك ضرورة لإجرائها حسب العرف الطبي الدولي، وأنه نسبة لصغر سن المريضة فإنها ستحتاج في المستقبل لعدة عمليات جراحية، وذلك لاستهلاك المفاصل الصناعية وتصحيح بعض المضاعفات، وسوف يظل العجز الناتج من العمليات الجراحية مزمنا ويقدر العجز النهائي بنسبة 60%.
المحكمة الابتدائية قضت بإلزام المستشفى المدعى عليها وشركة التأمين بالتضامن بينهما، بأن يؤديا للمدعية مبلغ ثلاثة ملايين درهم تعويضا لها عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقتها مع إلزامهما رسوم ومصروفات الدعوى والإدخال ومبلغ ألف درهم مقابل أتعاب المحاماة بالتضامن بينهما.
وجاء في حيثيات الحكم أنه من الثابت في الأوراق وتقرير اللجنة الطبية أن العمليات التي أجريت للمدعية اخفق فيها الطبيب، ونتج عنها إصابة المدعية بشلل تام في ساقيها أقعدها عن الترحال والتنقل وحرمانها من مباشرة حياتها الطبيعية، وأثر ذلك على مقدرتها على الكسب أو مباشرة عملها الذي تشغله في مطار دبي بسبب عجزها عن الحركة والنشاط، كما أدى ذلك إلى قعودها عن العمل لمدة تجاوزت 6 أشهر، وما لحقها من عجز دائم يظل يلازمها طوال حياتها وهو عجز بنسبة تبلغ 60%.
وذلك يمثل عناصر الضرر المادي وقررت المحكمة الضرر الجابر له بقيمة 2 مليون درهم، بينما قدرت المحكمة قيمة الأضرار الأدبية والنفسية بمبلغ مليون درهم. محكمة الاستئناف من جهتها قضت باستبعاد شركة التأمين من الحكم، وتعديل المبلغ المحكوم ليكون التعويض مليونا و500 ألف درهم بدلا من 3 ملايين درهم.
المحكمة تقضي بـ 1.5 مليون درهم والمحامي يعتبرها قفزة في ثقافة التعويض
اعتبر المحامي عبد الله آل ناصر وكيل المريضة قرار محكمة الاستئناف بتعويضها مليونا و500 ألف درهم قفزة في ثقافة التعويض. وقال إنه لم يحكم للمدعية بكامل طلباتها حيث طالبت عندما أقامت الدعوى على المستشفى الخاص في أغسطس 2008 بإلزامها مبلغ عشرة ملايين درهم تعويضا عما لحقها من الأضرار المادية والأدبية، كما أن حكم الاستئناف استنزل من الحكم الابتدائي نصف المبلغ، مؤكدا على أنه رغم ذلك إلا أن الحكمين الابتدائي والاستئنافي في مجملهما يعتبران قفزة نوعية في ثقافة التعويض عن الأخطاء الطبية، .
وأضاف : نكن كل الاحترام لقضائنا الجليل، إذ أن تقدير قيمة التعويض هي من مطلق صلاحياته والأساس هو إثبات وجود الخطأ الطبي، ونتمنى أن يكون هذا الحكم بمثابة نزع صمام الأمان لكل طبيب يقلل أو يتهاون في واجباته الطبية تجاه مريضه.
جريدة البيان