تعزيز للهوية الوطنية قرار إنشاء المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية، الذي اعتمده مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله)، وتم إسناد رئاسته للفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وإلحاق (مجلس الإمارات للتوطين) إلى المجلس الجديد، جاء في التوقيت المناسب لتحقيق الهدف الذي تنشده قيادتنا الحكيمة في تنمية وتعزيز قدرة المواطنين وشحذ طاقاتهم وتسخيرها لخدمة الوطن، وتكاتف جميع الجهود من أجل حل مشكلة وطنية، أفرزتها التنمية الشاملة التي شهدتها دولتنا الحبيبة في مختلف المجالات، خلال السنوات الماضية.

اعتماد القرار جاء في ضوء نتائج استعراض المبادرات الوطنية الخاصة بالتركيبة السكانية خلال المرحلة الماضية والمهام المناطة بالمجلس الاتحادي للتركيبة السكانية الوليد، الذي يهدف إلى تحقيق التوازن السكاني في الدولة، وتعميق روح الانتماء الوطني لدى المواطنين والمواطنات، وترسيخ الولاء للوطن وقيادته الرشيدة.

ووصولاً إلى هذا المبتغى، على المجلس مراجعة السياسات السكانية والعمل على تطوير الاستراتيجيات والمبادرات الوطنية، من خلال التنسيق مع الجهات المعنية بهذا الشأن الوطني والعمل بروح الفريق الواحد، بحيث يتولى المجلس جمع المعلومات وإجراء الدراسات والبحوث الخاصة بالتركيبة السكانية، وإنشاء قاعدة متكاملة للمعلومات في كافة القطاعات، كي تكون مصدراً رئيساً لوضع الخطط والسياسات السكانية في الدولة.

القرار أكد أهمية تفعيل التنسيق بين المجلس وسائر الوزارات والمؤسسات الاتحادية والدوائر والجهات المحلية ومراكز البحوث التي تعنى بشأن التركيبة السكانية، للتوصل إلى نتائج جيدة وإيجابية يمكن ترجمتها فعلياً على أرض الواقع، وكذلك العمل على تنسيق الجهود وتوحيد السياسات السكانية على مستوى إمارات الدولة، بما يكفل الاتفاق على اتباع منهج شامل لمعالجة المواضيع ذات الصلة بالتركيبة السكانية وإيجاد حلول مناسبة لها.

بحيث يتحقق الانسجام والتوافق بين التنمية المستدامة والسياسة السكانية، بما يجسد الرؤية الوطنية الثاقبة لقيادتنا الرشيدة التي تحرص على ترسيخ وإعلاء قيم المواطنة في أوساط مجتمع الإمارات بكل فئاته وشرائحه، وتأمين أعلى مستويات الحياة الكريمة والمستقرة لكل أبناء وبنات الوطن.

لا شك أننا خلال العقود الثلاثة الماضية، كنا بحاجة إلى عمالة ماهرة وغير ماهرة تلبي متطلبات البنية التحتية ومشروعات التنمية في مختلف القطاعات، والآن بات من الضروري وضع الضوابط وسن التشريعات والإجراءات القانونية اللازمة للحد من جلب تلك العمالة، وتشديد العقوبات على الشركات الوهمية التي أصبحت تمتهن التجارة بتلك العمالة، من أجل تحقيق الربح السريع وبأقصر وأسهل الطرق، ضاربة عرض الحائط بما تشكله تلك العمالة من مخاطر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية في بلادنا.

إن معالجة الخلل في التركيبة السكانية التي باتت تؤرقنا جميعاً، تتطلب تقليص العمالة الأجنبية التي لا حاجة لنا بها، وتحفيز أبناء الوطن على شغل الوظائف البسيطة، أو الاستعانة بأبناء جلدتنا الأشقاء العرب لشغلها. وهنا لابد من دعم الحكومة للقطاع الخاص في عملية التوطين، والاستفادة في هذا المجال من تجارب الدول الشقيقة المجاورة.

فنحن في حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى، إلى تعزيز مكانة المواطن وتكريس الهوية الوطنية وتنمية روح الانتماء للوطن، وهذا يتطلب تكاتف جهودنا جميعاً كأفراد ومؤسسات من مختلف فئات وشرائح المجتمع (كل في موقعه)، إلى جانب استثمار مختلف وسائل التكنولوجيا الحديثة في جميع المجالات، والاعتماد على الكفاءات والخبرات المحلية من المواطنين والأشقاء العرب، لمواصلة مسيرة التنمية والحفاظ على هوية بلدنا وصون ما تحقق من إنجازات، فنحن في غنى عن عمالة باتت تشكل بطالة مقنعة، وتثقل كاهل الدولة بما تسببه من أعباء نتيجة ما يفرزه وجودها بيننا من سلبيات ومسلكيات.

إن الحفاظ على الهوية الوطنية للدولة، يتطلب زرع قيم الانتماء والولاء لدى جميع أفراد المجتمع، وتربية الأبناء على حب الوطن والولاء له وحماية ثرواته وممتلكاته وإنجازاته، والحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا ولغتنا العربية، وربط التعليم بالهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الزواج وزيادة النسل والحد من ظاهرة الزواج من أجنبيات.

والاعتماد على العمالة المواطنة في جميع مجالات العمل، وتقليص الاعتماد على الخدم والعمالة الهامشية (الخاصة)، وزيادة عدد المقيمين العرب وتقليل الأجانب، واستثمار كل الكفاءات والخبرات العربية التي تعيش بين ظهرانينا منذ سنوات، مع منح امتيازات خاصة للذين أثبتوا إخلاصهم للوطن بنظافة القلب واليد واللسان، وعدم التفريط بهذه الثروة التي نحن في أمس الحاجة لها في مسيرة التقدم والازدهار والتنمية الشاملة.



بقلم : د. موزة أحمد العبار