تحت هذا الشعار أقيمت قبل أيام الدورة الخامسة عشرة من مهرجان القاهرة للإعلام العربي في العاصمة المصرية، وهو شعار يبدو في ظاهره جميلا وبراقا ومثاليا، لكنه في واقع الأمر صعب التطبيق، عندما توضع أجهزة الإعلام على المحك ويصبح عليها أن تمارس دورها بدرجة عالية من المسؤولية، لا تقل عن مسؤولية الدول والحكومات، خاصة عندما تصل الأمور إلى حافة الهاوية وتتحول شرارة صغيرة إلى حريق هائل لا يمكن السيطرة عليه.

هل كنا بحاجة إلى اختبار من نوع ما كي نعرف أن الإعلام مسؤولية؟ وهل كان صدفة أن يتزامن هذا الاختبار مع المهرجان الذي أُطلق فيه الشعار؟

وهل كان ضروريا أن يكون هذا الاختبار مباراة كرة قدم بين منتخبين عربيين شقيقين، لا بد في النهاية أن يفوز أحدهما ويخسر الآخر، كي يصعد واحد منهما إلى نهائيات كأس العالم التي ستقام في جنوب إفريقيا منتصف عام 2010؟

ربما، ولكن يبدو أن الاختبار كان صعبا إلى الدرجة التي لا يمكن أن تتحملها عقولنا ولا مشاعرنا التي لم تعد قادرة على تحمّل انقسامات أكثر من الانقسامات القائمة بين شعوب الأمة العربية، بل وبين فئات وطوائف كل شعب من هذه الشعوب، على طريقة تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.

تُرى، إلى أي مدى نجحت أجهزة إعلامنا العربية كلها، وليس أجهزة إعلام مصر والجزائر فقط، في هذا الاختبار وإلى أي مدى فشلت؟

لا أزعم أنني قد تابعت أداء كل وسائل الإعلام العربية خلال تغطيتها لمباراتي مصر والجزائر في كل من القاهرة والخرطوم، لكنني على الأقل تابعت أداء أجهزة الإعلام المصرية خلال المباراة الأولى التي أقيمت بتاريخ 14 نوفمبر، متزامنة مع فعاليات المهرجان الذي أقيم خلال الفترة من 11 إلى 15 نوفمبر بالعاصمة المصرية، والحق يقال إنه كان أداء متوازنا، خاصة في أجهزة الإعلام الحكومية.

حيث كان الجميع يميل إلى التهدئة وعدم تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، وهو موقف يحسب لأجهزة الإعلام المصرية التي كانت المباراة الأولى تجري على أرضها. ورغم بعض المواقف التي كادت تفسد جو اللقاء الرياضي الأخوي، إلا أن المباراة مرت بسلام وتم الانتقال إلى المباراة الفاصلة التي جرت في الخرطوم يوم الأربعاء الماضي.

وأشعلت نار الفتنة بين الشعبين المصري والجزائري، وفجرت براكين الغضب لتقذف بحممها على ضفاف نهر النيل وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، وتقطع كل خطوط التواصل بين الشعبين العربيين المناضلين، اللذين تجمعهما أواصر القربى والدم والتاريخ وحتى الجغرافيا، مما لا يمكن أن تتسبب مباراة كرة قدم في هدمه وتحويله إلى أنقاض وخراب لا يمكن ترميمه، فما الذي حدث؟

هل الأواصر التي تجمع بين أبناء الأمة العربية من الهشاشة بدرجة لا تجعلها تصمد أمام خسارة مباراة في كرة القدم هنا أو هناك، وتجعل نتيجتها حدا فاصلا يلغي تاريخا مشتركا لا يمكن للحظة تهور أو فورة غضب أن تلقي به في حفرة عميقة وتهيل عليه التراب والحجارة ليتحول إلى أثر بعد عين؟

إنها كارثة بكل المقاييس مهما حاولنا أن نقلل منها، فما شاهدناه من تصرفات بعد انتهاء المباراة الثانية في العاصمة السودانية لا يرقى إلى مستوى التعامل بين المسؤولين العرب، بل إنه لا يليق بالمواطن العادي الذي يتحمل مسؤولية صورة وسمعة بلده، قبل أن يتحمل مسؤولية تصرفاته الشخصية، وما سمعناه ورأيناه وقرأناه بعد ذلك في وسائل الإعلام التي تابعت الحدث وردود أفعاله، لا يرقى إلى مستوى الإعلام المسؤول الذي كان مدار البحث طوال أيام المهرجان وعبر ندواته.

فقد غابت «المسؤولية الإعلامية» تماما عن هذا الإعلام الذي اختار لنفسه دور صب الزيت على النار، مرة من خلال المذيعين ومقدمي البرامج، ومرة من خلال الضيوف الذين كانوا يزيدون النار اشتعالا، ويقطعون كل خطوط العودة، ولا يتيحون مجالا لصوت العقل كي يقول ولو كلمة واحدة، وسط ثورة الغضب هذه التي بلغت مداها الأقصى وتجاوزت كل خطوط المسؤولية الإعلامية الحمراء التي نتحدث عنها.

لا أحد يقر التصرفات الطائشة للجمهور الذي يخرج عن الحدود المعقولة وهو يعبر عن فرحته بالفوز فيحرق الأعلام ويخرب المصالح، لكننا في الوقت نفسه لا نقر الخروج عن الحدود المتعارف عليها في التعبير عن المواقف من قبل أجهزة الإعلام، التي من المفترض أن يكون القائمون عليها والعاملون فيها من النخبة المثقفة التي تعرف كيف تعبر عن نفسها بأسلوب حضاري، لا ينسف أواصر الأخوّة والقربى التي تجمع بين أبناء الأمة العربية، حتى لو خرج بعض الجمهور من ذوي الثقافة الضحلة عن طورهم، فأقدموا على حماقات ما كان لهم أن يقدموا عليها لو أنهم التزموا حدود التشجيع الرياضي النظيف المتعارف عليه عند كافة الأمم والشعوب.

سوف تبقى مصر بلد الحضارة الضاربة في عمق التاريخ، والشقيقة الكبرى التي لا يمكن لأحد أن ينتزعها من دورها أو ينتزع دورها منها، لا تقلل من مكانتها خسارة مباراة لأن إنجازاتها في مجالات الرياضة والعلوم والأدب والثقافة والفنون منارات شامخة، ومشاعل يقتبس منها كل أبناء الأمة وبها يهتدون. وسوف تبقى الجزائر بنضالها وحرصها على عروبتها وتمسكها بها، مثالا حيا لإرادة التحدي التي لا تقلل منها تصرفات طائشة من قبل مشجعين لم يعرفوا الطريق الصحيح للتعبير عن فرحتهم بالفوز، فأساءوا إلى أنفسهم قبل أن يسيئوا إلى منافسيهم.

سوف تبقى صورة الشعبين الشقيقين زاهية بعد المباراتين مثلما كانت قبلهما، فلن تستطيع ثلة قليلة أن تغير صورة شعب كامل، كما لن تستطيع فورة غضب طارئة أن تجعلنا نتخلى عن شعار «الإعلام مسؤولية». وغدا عندما تمر العاصفة وتهدأ النفوس الغاضبة، على كل واحد منا أن يحاسب نفسه؛ أين أخطأ وأين أصاب، ولا ضير علينا إن نحن اعترفنا بالخطأ، كي يكون صوابنا أكثر من خطئنا.


بقلم :علي عبيد

كاتب إماراتي