عبدالله الهدية: خراريف السحر والجان حرمتنا من النوم





يترك شهر رمضان المبارك-عادة- وراءه ذكريات خصبة وغنية في ذاكرة كل مسلم، حيث هو في حقيقته حدث استثنائي، فريد، مختلف بإيقاعاته عن إيقاعات الأحد عشر شهراً في إطار دورة العام، وهو ما يظهر بوتيرة أكثر استثنائية، لدى المبدع، لاسيما عندما يكون شاعرًا .

عبدالله الهدية، أحد الشعراء الإماراتيين الذين بات لهم حضورهم الفاعل في المشهد الإبداعي الإماراتي، يروي بعض ملامح خصوصية علاقته مع شهر رمضان الكريم، فيقول: “الذكريات الأولى مع هذا الشهر، كان فيها شيء من اللصوصية ولكنها لصوصة بريئة واحتيال بريء، بحق رمضان والوالدين، فعندما يكون المرء في طور الطفولة يحاول أن يحاكي الكبار ليغدو رجلاً كبيراً”، ولكن قسوة الحر في تلك المرحلة، أجبرت الهدية على أن يكون لصاً يسترق رشفة من الماء بين فترة وأخرى، محتالاً على أبويه .

ويضيف الهدية: “لست من دعاة النكوص إلى الماضي، ولكن، الشيء الجميل يجب أن يذكر، وفي طليعة ذلك الأطباق المملوءة بالطعام التي كانت تنتقل من دار إلى دار، لتعود مرة أخرى في اليوم التالي محملة بأصناف أخرى إلى مستقرها الأول، والشيء الآخر ذلك المكان الذي يجمع أبناء الحي الواحد من أجل الإفطار، حيث يجتمع كبار السن في مكان والأطفال في آخر، والنسوة في ثالث، فكانت هذه الألفة حراكاً تواصلياً اجتماعياً، وهو أجمل ما في تلك الأيام، بدءاً من احتساء القهوة، ومروراً بالأحاديث الجميلة التي تدور بين ثلة الأصدقاء، وليس انتهاء بما يليها من مسامرات وألعاب” .

ويتابع الهدية: “كانت هناك فترتان للسمر، القصيرة منهما تتراوح في ما بعد الإفطار إلى أذان العشاء، والطويلة تبدأ بعد صلاة التراويح، وقد تمتد إلى موعد السحور، وقد يكون مكان هذه السهرة، قرب المسجد، أو في أحد البيوت، وغالباً ما كان يتم الانتقال من بيت إلى آخر، حيث يبدأ الحديث العذب، وتفرغ الصدور ما تكنه، وتلتقي الذكريات بالحاضر والحلم والمستقبل . أما النهار - رغم طوله- فقد كان يخصص عادة للكد، وهو يوم شاق، مضن، لا مجال للراحة فيه، أما النساء فيجتمع حولهن الأطفال، في أوقات فراغهن ليلاً، ليستمعوا إليهن، وهن يسردن لهم الخراريف التي كانت في أحايين كثيرة، تمنعنا حتى من النوم، لما فيها من قصص السحر والجان” .

ويسترسل الهدية: الأمر تغير الآن، حيث ثمة نقلة في الصورة، من خلال ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، وقد أصبح التلفاز الشغل الشاغل، وبصراحة، فإنه ليس كل ما يقدم عبر شاشة التلفاز يرتقي إلى مستوى الذائقة، أو يصور الواقع، لاسيما أن “مسلسلاتنا” التاريخية الآن تتزامن، مع استخدام الآيباد، أما المسلسلات الأخرى فتتضمن قصص العشق التي لا يمكن أن تكون، موجودة، في الواقع، بهذه الطريقة، وهي تتجاهل حقيقة أن المجتمعات العربية، تتسم بتقاليد وعادات لا يمكن التبصير عنها بهذا الشكل” .