يوم عرفة بقلم
يقف اليوم آلاف الحجاج في عرفة، في مشهد تخشع له القلوب. يرتدون زياً واحداً، وقد تلاشت الفروق بينهم. يرفع الجميع أكف الضراعة إلى الله، مشهد يتكرر كل عام ويذكرنا بالترابط والتلاحم ففرص اللقاء اليوم، إن أتيحت، فقد لا تكون غداً أو بعد الغد بسبب الأقدار التي شأنها أن تجمع وتفرق دون أن يملك أحد الاعتراض. في هذا اليوم تحديدا ولسبب لا نعلمه يسترجع الواحد منا ذكرياته مع الراحلين ويتمنى لو يعود الزمان به، .
ويفكر بعضنا في ساعات وأيام فوت الاستفادة منها، في حين يبقى آخرون فارغين بلا ذكريات أو لحظات،وعلى الرغم من حقيقة الأقدار نستغرب من أفراد ما زالوا يحملون الضغينة على آخرين، ولا يكترثون بهذه المناسبة الفضيلة المقبلة علينا، وهي عيد الأضحى المبارك، والأكثر أنهم يعتقدون أن فرحة العيد ستكتمل بقلوب تحمل ما تحمله من ضغائن.
وهنا نتساءل: هل قلوبنا المثقلة بهموم الحياة ما زالت تتسع لذلك الغضب كله؟ هل ما زلنا نعتقد أن الخصام هو دليل انتصار لأنفسنا ضد الغير، وتهرب من مسؤولية الاعتذار لمن أخطأنا في حقه؟ هل ما زال بعضنا يعتقد أنه قادر على العيش بمفرده بعيداً عن الآخرين؟
إننا نعيش في عالم لا قيمة له دون بشر نتواصل معهم، ولابد لنا أن ندرك أن هناك لحظات لابد وان تختلف فيها مع بعضنا البعض، ولحظات أخرى لابد وان تثور فيها نفوسنا وتخطئ أو تندم، لكن الأهم أن نترك مساحة تتعانق فيها القلوب فنحن في النهاية بشر نعيش في هذا العالم الذي يجمعنا والذي نثقل عليه بخلافاتنا وأخطائنا. ولكن الأهم في كل ذلك أننا مهما اختلفنا أو ضقنا ذرعاً بالآخرين، فلا بد أن نجعل هذه المرحلة عابرة.
المحبة والتسامح أمور لا يلجأ إليها إلا إنسان حضاري في سلوكه. يعلن اعتذاره ويبادر لمن خاصمه ليفتح صفحة، غير مبال بالناس الذين يرون في ذلك ضعفاً وانكساراً، ويتركون أخطاءهم ولو كانت صغيرة في زاوية بعيدة حتى تكبر مع الأيام وتصبح ذنباً لا ينسى.
هناك نفوس غالية على قلوبنا، غاضبة وأخرى عاتبة تحتل أزمنة وأمكنة في ذاكرتنا تستحق أن نمنحها في هذا اليوم أكثر مما تتوقع، تستحق أن نقترب منها، نصافحها ونعانقها قبل العيد بحب وصدق، ونطلب منها العودة إلينا ليعود الصفاء، فتمنحنا القدرة على العيش ومواصلة الرحلة في عالم متسامح، يرسم البسمة على وجوهنا وينسينا هموم الحياة وكدرها.