وداعاً «ماديبا»
علي العمودي
* الاتحـاد
يوم أمس الأول تابع ملايين البشر، مراسم التأبين الكبيرة والمهيبة للزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا الذي يعد أيقونة من أيقونات العصر ورمزا للنضال لأجل العدل والمساواة والتحرر، والأسطورة التي رحلت بعد سنوات من مقارعة نظام الفصل العنصري الذي كان يسود في بلاده، وزج به في ذلك السجن الرهيب بجزيرة روبن قرابة الثلاثة عقود. فقد حرص زعماء أكثر من مئة دولة على حضور المراسم الوداعية قبل أن يمضي ذلك الجسد المتعب ليرتاح في مثواه الأخير في قرية "كونو" مسقط رأس آبائه وأجداده، والتي انطلق منها حاملاً الأمل والإرادة والعزيمة على التغيير لغد أفضل للملايين من أبناء شعبه.
كان هناك زعيم أقوى دولة في العالم باراك، وهو أول رئيس أسود للولايات المتحدة الذي جاء لوداع أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا. مشاهد يتوقف أمامها المرؤ، وكل تلك الحشود التي غص بها "استاد سوكر سيتي" بضاحية سويتو في محيط مدينة جوهانسبورج، وهي تعج بالأكواخ ومدن الصفيح شاهدة الظلم الذي حاق بسكان البلاد على يد المستعمرين والمستوطنين البيض خلال فترة نظام "الابارتيد". ومع هذا خرج الرجل الذي قضى ازهى فترات من عمره في السجن، خرج نحو فضاءات رحبة من التسامح والحب مع الآخر.
لقد كان الحضور الرفيع والكثيف في وداع الرجل الذي يطلق عليه مواطنوه "ماديبا" (الزعيم الحكيم) تحببا، هو تقدير لروح جميلة حملها "الإرهابي" والسجين السابق والرئيس اللاحق، وجعلت منه أسطورة ملهمة في تلك الأصقاع تحديدا، والتي استوطن فيها الثالوث الرهيب من جهل وفقر ومرض بعد أن تفرغ الجنرالات وحملة النياشين الوهمية في جولات الفناء والإبادة والدمار، وتشظ بلدهم وتفتت، وتشردت شعوبهم بين بحار وفيافي العالم. إنها روح الحكمة وحسن التسامح والتعايش. وأضفى مانديلا مهابة لصورته وهو يكتفي من الحكم بفترة رئاسية واحدة من دون أن يمن بنضاله وسنوات سجنه على أبناء شعبه، ويسمح لنفسه بحق ليس من حقه كضريبة "تحرير" مواطنيه من ربقة العبودية والاضطهاد.
كلمة واحدة، كانت كفيلة بإطلاق زناد الأحقاد في بيئة متخمة بها، ومثخنة بالجراحات التي جلبتها، لتحرق البقية الباقية مما هو قائم من وطن نجح "ماديبا" في ترسيخ وجوده كأمة "قوس قزح"، يتسع للجميع من مختلف الأعراق والمعتقدات والألوان التي يزخر بها ذلك البلد القابع باسترخاء في كعب القارة السمراء. كلمة حقد وغلٍ واحدة، كانت كفيلة بتقويض كيان بلد بأسره ليضيف رقما في قائمة الفاشلين والتائهين الذين تعج بهم بلدان العالم الثالث.
وشواهد أفعالهم تنتصب أمام الناظر إليها في شتى بقاع أفريقيا.
التأبين العالمي الذي تقاطر عليه زعماء العالم، والشموع التي أوقدت في كل مكان، يعبر عن تقدير البشرية جمعاء لقيم آمن وعمل بها زعيم محبوب بقامة مانديلا، بات معلماً وقدوة لمجتمعات وشعوب بأسرها. وشهادة للجميع على قدرة الإنسان في التغيير والبناء بالتسامح وحسن التعايش والعدل والمساواة، وهي مبادئ أساسية خالدة يؤكد عليها ديننا الإسلامي الحنيف الذي يريد بعض المتاجرين به استغلاله لممارسة انحرافاتهم في أقصاء واستئصال الآخر.. وداعا "ماديبا" فلترقد بسلام.