-
24 - 3 - 2014, 12:18 PM
#1
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 0
القرينة
في الحقيقة هناك جملة من الانفعالات أخافها , لكن الكلام المقتضب ينقذ من ورطات كثيرة .
لن أقول اني كرهت مدينة بأسرها بل أقول أني كرهت كل الأدوار الملقاة على عاتقي فيها أؤديها بدقة .
عاد للمنزل وهو يردد بينه و بين نفسه هذه العبارات المعهودة و بلسانه الإضافي , أخذ يحكي للعائلة عن مغامرات النهار
ابتسم الوالد و في الفم شيء معلق على حباله الصوتية يخشى أن يلقيه أمام ابنه و لحظة سها عن الحبل سقطت أمامه لفة صفراء فيها كتب و أوراق انتهت مدة صلاحيتها:
- ألم تقرر أن تدرس يا بني؟
و بحركة تمثيلية احتضن اللفة و ذهب إلى غرفته , و بعد قليل عاد و معه ورقة سجل عليها اسم أحدث حذاء رياضي نزل الأسواق , لأن العقل السليم في الحذاء السليم , و بعد أن أنهى كلامه أسرع إلى غرفته , أطفأ الأنوار أشعل سيجارة .
و كل العادة تكلم عن أشياء يعرفها و لا يعرفها :
- حمداً لله فرغم كل شيء أنا لازلت أفكر، و أعرف أنني مخطىْ و لكنني لا استطيع إلا أن أكون مخطئاً.
و بدون أن يسأله احد أي سؤال بدأ يبرر:
- مذ تعلمت أن لا اقول الحقيقة اصبح كل الناس أصدقائي , فكيف أعود إلى الصدق ؟! ... لو يتعلم الصدق بعض أساليب الكذب.
- ألم يقل ذلك المليونير البخيل أن في الظلام نوراً؟
و هكذا استمرت حياته إلى أن أقسم لنفسه في يوم من الأيام و بأن هذا التبرير يجب أن لا يقنعه , فهو مازال يملك بقية من عقل في رأس لا يحترمه , و لكنه يرفض أن يصدق أنه مولود معه في أرجوحة دائمة الاهتزاز , على حسب تعبيره .
ودع الجميع و بدل أن يعزف موسيقى أشجانه و يطوف في المدينة ليلملم الأجوبة في طبق لو أطعمه لمتخوم لبكى جوعاً على حسب تعبيره أيضاً , فهو يجب أن يستعمل هذه الكلمات لأنه يعتقد أن أمثال هذه الكلمات العريضة تردع التردد فيه
بدلاً من كل هذا هرول إلى الضيعة عله يجد ما فشلت المدينة في منحه إياه , و لحسن حظه صادف قارئة الفنجان على أول الطريق تغني أغنيات تجمّد الدم في العروق , أم محمود هذه كانت تجمعه و إياها صداقة قديمة لم تمحها غبار الأيام و بالتحديد عندما أتت لزيارة جدته في المدينة , المهم أنه التقاها و بعد كلمات الترحيب الكلاسيكية قال لها و بدون سابق انذار :
- أم محمود أكاد أجن , أنا اثنان , واحد يحكي دائماً , و آخر يتصرف , لا ثلاثة , فهناك آخر يتجسس علي في زاوية مني , و واحد يظل يسخر من كل شيء , أصبح العدد أربعة بل عشرة , أنت تفهمينني أليس كذلك ؟!
- طبعاً يا بني لكن لا داعي للقلق حالتك طبيعية جداً , أنت لست مخطئاً , هو خطأ حسابي , فلكل إنسان قرينة واحدة فقط تتبعه و غالباً ما تظهر له في الحلم , يحاربها و تحاربه , و عندما يستطيع أن يحيا بشخصية واحدة يملك زمامها بيده , الحمد لله البارحة تخلصت ابنتي من قرينتها الشريرة .
- لا أستطيع أن أكرهك يا أم محمود , أنت طيبة , الوداع .
ركض و هو يصرخ بصمت :
- لكن ماذا يفعل الإنسان عندما تكون قرينته مدينة بكاملها , تورم بحبها حتى المرض .
رددت الأمتار التي قطعها بالأمس بين الضيعة و المدينة صدى صرخته الأمتار الخرساء استحالت أميالاً , أحس نفسه لوحة الطوفان تركض في إطار طريق لن يبرحه .
بقلم : ديمة بعاج
ســــــوريا - حلب
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى