-









أحوال ومقامات الإبداع
الكتابة بين الواقع وأوجاع الذات



*جريدة الخليج









الشارقة - عثمان حسن:


عند الحديث عن قلق الكتابة عند المبدع، يخطر في البال مجموعة من العناوين المهمة التي لا بد من التوقف عندها، ومن ذلك: "تفسير الكتابة"، "ودوافع الكتابة"، وأسبابها و"فن الكتابة" و"الكتابة الإبداعية" وما يلحق بهذه العناوين من أساليب وبناءات وتقنيات الكتابة هي الكتابة بوصفها سرداً شعرياً أو روائياً أو نصاً مفتوحاً على ألق ورؤى وتجاوزات وكشف، ناهيك عن ضرورة أن تصدر الكتابة عن مبدع مؤمن بقضية محورية سياسية كانت أم اجتماعية أو جمالية، يود إبرازها لتنفيذ مشروعه الكتابي.


وفي تفسير جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي وصاحب نظرية التفكيك المعروف، الذي يتحدث عن استقلالية المحتوى النصي، بدأت في الثقافة النقدية العربية والعالمية حوارات جادة حول فعل الكتابة، والقراءة التأويلية للنص في مستويات لغوية ومقاصد وأغراض متعددة.


هناك من ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلاً إبداعياً خارقاً، يمكن تنميته وتطويره من خلال ورش الكتابة، حيث "الكتابة الإبداعية" مساق يدرس في الأكاديميات الغربية منذ زمن بعيد.


الحديث عن الكتابة بوصفها قلقاً مفتوحاً على احتمالات كثيرة، كما أشير في الملاحظات الواردة آنفا، يجعلنا نعثر على توصيفات كثيرة، أبسطها ما ينظر للكتابة ضمن سياق مرن، تتبع قلق الشخص وميوله وأهدافه وأولوياته، ومن هذه التوصيفات ما ينظر للكتابة باعتبارها وجعاً فريداً يتسرب إلى أنامل مبدعه راسماً عالماً فريداً، وهي هاجس مفخخ بالرؤية، وقلق لا يهدأ إلا من أجل انتظار آخر يحمل المبدع ليضعه مرة أخرى قريباً من حافات القلق، أو ربما قريباً من الحلم".


هذا التوصيف الشعري، يحمل في مضمونه قلقاً بمواصفات مشتركة، تعبر عن هموم شريحة كبيرة من المبدعين، وهو ينطوي على كثير من القراءة التأملية والشعرية في أحوال ومقامات الكتابة بوصفها وعاء يحث على التفكير والكشف، كما ينطوي على ابتكار آليات وأساليب جديدة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تفسير فلسفي أكثر شمولاً، له علاقة حثيثة برؤية الكاتب، هذه الرؤية التي تظل شائكة، وغامضة ومحفوفة بكل ما هو شخصي وذاتي، لا يعكس بالضرورة وعي لحظة الكتابة، وهو وعي متغير لا يقف عند محطة واحدة، ومن جهة أخرى، لا يقدم إجابات شافية عن جملة من الاستفهامات المشروعة، على سبيل المثال: هل الكتابة هي فقط مشروع ترجمة للواقع، كما هو؟ أم هي بالضرورة تحمل بذرة التجاوز، والمفارقة، والعلو، وربما تصفية الحساب مع هذا الواقع؟ الذي هو بالضرورة ليس حلمياً، وهو بكل تأكيد ضبابي، وقل ما شئت عن الفوضى العارمة التي تسود هذا الواقع، وتخلخله، فيصبح مشتتاً، ومربكاً وصادماً.


المبدع، هو من يصنع عالماً لا مثيل له من فن أو فكر أو عمل، فيأتي بشيء متقن ومتميّز عن كلّ ما سواه، ولا بدّ للمبدع أن يسكب كلّ حبّه في إبداعه، بل يضع فيه من ذاته ويطبع بصماته فيه، هنا، تصبح الكتابة صياغة جديدة للكلمة، تنطبع بروح الكاتب، وتلمس شغاف القارئ وتنير قلبه وعقله وفرائصه.


يرى الكاتب مهند النابلسي أن الكتابة الإبداعية هي القدرة على مفارقة الواقع، حتى لا تبقى منه إلا شبكة العلاقات التي تحمله، وهو يقول (الكتابة هي القدرة ببراعة على تجنب المباشرة والهدفية، وهي هدفية بلا هدف، حسب تعبير الفيلسوف "كانت") من هنا، فلا مبرر على الإطلاق لذلك النوع من الأنماط الإنشائية التي تملأ فضاء الواقع العربي تحت مسميات الكتابة، التي تشهد تراجعاً وانتكاسة مرة على كافة التسميات.


في شهادات كثير من المبدعين عن الكتابة، تبرز تفسيرات كثيرة للكتابة ومنهم من يعتبرها قلقاً استثنائياً، واستنفاراً غير عادي لملكات العقل كما هو عند الكاتبة فاطمة الكواري التي تضيف أن الكتابة تعتبر تأهباً مشطوراً بين امتداد الفكرة ومحاولة صياغتها".


وهناك من يربط بين وعي الكتابة وقلق الذات، كما هو عند الكاتبة ميساء الخواجا التي عالجت موضوع المرأة الكاتبة حين اختارت اقتحام عالم كان محسوباً على الرجال فقط، فصارت ذاتاً فاعلة تحكي نفسها وترسم عوالمها، وكان فعل الكتابة بالنسبة إليها خروجاً على تاريخ الصمت الطويل، الذي وقفت خلفه تراقب العالم خلف الأسوار، وحين وعت المرأة ذاتها وعوالمها بدأت بطرح سؤال الكينونة ووعت ذاتها في مقابل الآخر.


بهذا المعنى ثمة اقتراب من سر الكتابة، كفعل وممارسة وحق في الاختيار، والكتابة مسار أليف ينزع إلى ترجمة الذات والرغبة التي تخرج من الصراع بين الخوف والانتظار، الكتابة نسج لحكاية جديدة مشرعة على التأويل، مشحونة بإغراء الكلمات الجديدة المحلقة في سماء المعرفة والنور.