|
|
أرقص تحت المطر . .
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
في بعض أرياف وقرى بلاد الشام تخرج مجموعات من النسوة عند هطول أول مطر في فصل الشتاء، ويطفن القرية وهن يغنين أشعاراً شعبية احتفاء بالمطر وتفاؤلاً بفصل يعني بالنسبة للفلاحين موسم الرزق والحياة .
المشهد شعري بامتياز وفطري بامتياز أيضاً، عندما تلتقي أمومة المرأة مع أمومة الطبيعة تحت الماء . مشهد يعود إلى طفولة الحياة ذاتها وطفولة الإنسان الذي كان يتماهى مع الأشجار والحجارة والغيوم، فيصبح هو ذاته شجرة أو غيمة .
آنذاك، وما أبعد "آنذاك" هذه كانت رائحة الأشجار أقوى وأعذب مما هي عليه اليوم، وآنذاك . . كأن كل شيء له رئة ويتنفس، البئر، والنبع، والكهف، وعود الذرة، وعود الحراثة، وفي مناخ نظيف كذلك من ليس بوسعه أن يحتفل ويتحول إلى شاعر حتى لو لم يدخل المدرسة؟ كل القرويين شعراء بالفطرة، ونساؤهم مغنيات شابات تحت المطر .
لدى معظم البشر فطريتهم أيضاً في وقت من السنة عندما يحتفلون بالضوء، مجموعات منهم تغني وترقص وربما تطلق البخور والعطور، وتمد سماط الحلوى من أجل الضوء، ومع ذلك وفي زماننا هذا هناك من يحتفل بالظلام ويعيش في العتمة أكثر مما يعيش في الضوء . . بجسده وعقله وكيانه البشري كله .
هناك من يحتفل بالموسيقى، وعبّاد الشمس، والطماطم، والثلج، والنسيم . . هل تذكر معي أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش في موسم شم النسيم في القاهرة التي تتحول في ذلك العيد من مدينة إلى نسمة؟
هناك أيضاً من يحتفل بالبحار والأنهار والأشجار، وقد تجد من يحتفل حتى بالقبعات التي اختفت تماماً من رؤوس النساء الأريبات ذوات القفاز الأبيض ومروحة الريش الطاووسية .
ولكن هذا الملثم، وذاك الذي يضع عصابة سوداء على رأسه، وذلك الشبيح، وذلك الداعشي ورفيقته الداعشية، وذلك المزنّر بالسيف، وهذا الخربوي، وتلك الخربوية، وذلك الخشبي وزوجته الخشبية، هؤلاء يا ترى بم يحتفلون؟ وهل أصلاً يضحكون؟
. . أدر وجهك عن كل هؤلاء . . قف وغنِّ وارقص تحت المطر .