الأفلاج إعجاز قديم جديد .
|
|
-
يمتد عمر بعضها إلى ما قبل الإسلام
الأفلاج شرايين في حضارة الإمارات
العين - هديل عادل:
حين تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إدارة العين في عام 1946م، أصلح نظام السقاية من الأفلاج، وقام بإلغاء تجارة الماء، وأشاع استعماله من دون مقابل، تيمناً بقول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا فضل الله لتمنعوا به فضل الكلأ"، ولم يقف زايد الخير عند هذا الحد، وهو يرى الماء في تناقص مستمر، فقام منذ ذلك الحين بحفر المزيد من الأفلاج وعمّرها وبناها، ووفقاً لنتائج عمليات المسح والتنقيب التي شارك فيها وتحدث عنها د. وليد ياسين، رئيس قسم الآثار في إدارة البيئة التاريخية في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في العين في دراسته "الأفلاج في دولة الإمارات"، أنه يوجد مئات الأفلاج منذ ثلاثة آلاف عام أو يزيد، وتعتبر منطقة العين من أكثر المناطق وفرة بالأفلاج، التي ترجع إلى العصر الحديدي، ومازال قسم منها معروفاً لدى الناس، وغاب البعض منها بفعل الزمن.
يقول د . وليد ياسين، رئيس قسم الآثار في إدارة البيئة التاريخية في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في العين: "يوجد في الإمارات عدد كبير من الأفلاج بعضها حي ومنها الميتة، ولكوننا نجهل العدد الحقيقي لهذه الأفلاج، خاصة الميتة منها، والتي تكتشف بطريق الصدفة بين الحين والآخر، نستطيع القول إنه كانت هناك المئات من الأفلاج التي حفرت وطمرت منذ ثلاثة آلاف عام مضت على أقل تقدير، وفي مدينة العين تحديداً يوجد عدد كبير من الأفلاج، تسعة منها كانت لا تزال تعمل في الستينات من القرن العشرين، ومن أهم الأفلاج في مدينة العين، والتي يعد قسم كبير منها معروفاً لدى الناس، أفلاج الهيلي، والمويجعي والقطارة والجيمي والعيني والمسعودي والجاهلي والداودي وهزاع ومزيد ووادي الحمام.
وتوجد أيضاً أفلاج كثيرة أخرى موزعة على مناطق الدولة، ويقع جزء منها على امتداد السفوح الغربية لجبال الحجر، ورغم كثرة هذه الأفلاج تبقى منطقة العين من أكثر المناطق وفرة بالأفلاج، ما يعزز فكرة أن نظام الفلج كان قد بدأ من هذه المنطقة لأول مرة قبل ثلاثة آلاف عام أو يزيد، وفقاً لنتائج التنقيبات التي أجرتها إدارة الآثار والسياحة في العين، ومن الأفلاج المعروفة في الإمارات الشمالية الثقيبة وفلي ومليحة وكدرة، والذيد وخضيرة والمنامة ولسلية والصَنابي والمعلا وإذن والشارقة.
ويضيف: "وجدت هذه الأفلاج لتدوم وقتاً طويلاً، ولكن انخفاض المياه الجوفية وانقطاع سريان المياه أمر لم يكن في يد البنائين، ومع ذلك عملوا على حل هذه المشكلة، وإن لم يكن علاجها بالأمر اليسير، وكانت الطريقة الوحيدة للتغلب عليها تعميق قاع القناة، والتي تتطلب كذلك تعميق مستوى الحقول الزراعية لينساب فيها الماء، وبعد استنفاد مياه الفلج بالكامل، يكون الحل الوحيد في هذه الحالة إيجاد مصدر آخر للمياه وبناء فلج جديد، ورغم أن الأفلاج كانت تبنى حسب حاجة القوم، يكون للعوامل الجغرافية دور مؤثر في ذلك، حيث إن طبيعة الأرض وصلاحيتها للحفر وكذلك رغبة القبائل في بناء أفلاج خاصة بها، كل ذلك يؤدي إلى ازدياد عدد الأفلاج بمرور الزمن.
ويؤكد د. ياسين أن موقع "هيلي 15" يعتبر أول فلج من عصور ما قبل الإسلام اكتشف في جنوب شرق الجزيرة العربية، موضحاً أنهم من خلال عمليات المسح والتنقيب التي أجريت في هذا الموقع، تمكنوا من تحديد المنطقة الرئيسية التي كانت تزود معظم أفلاج منطقة هيلي على اختلاف عصورها بالمياه، حيث وجد الكثير من الظواهر السطحية متمثلة بالأتربة والأحجار المحفورة من جوف الأرض وبقايا الآبار، إضافة إلى وجود الأشجار والنباتات الطبيعية، والتي غالباً ما تكون مرشداً للقائمين على شؤون الفلج قبل بنائه، إذا إنها تشير إلى وجود مياه جوفية عالية".
ويضيف: "الأفلاج الكثيرة الموجودة أسفل مدينة العين تدل على الاستمرارية في استعمال هذا النظام عبر مختلف العصور وخاصة العصر الإسلامي، الذي بدأ منذ أربعة عشر قرناً، ورغم الصعوبة في تقدير عمر الكثير من هذه الأفلاج، فإن اكتشاف "فلج العين" في وسط المدينة من صدر الإسلام، كما أشارت القرائن الأثرية، خير دليل على هذه الاستمرارية في هذا النظام من دون انقطاع، واستناداً إلى نتائج عمليات المسح والتنقيب نستطيع القول إن "فلج العين" أنشئ في عصر نهاية الدولة الأموية وبداية العصر العباسي، ولابد أنه استخدم على مدى عدة أجيال أيام الدولة العباسية.
ويؤكد: "لم يقتصر اكتشاف أفلاج العصر الحديدي على منطقتي هيلي وبدع بنت سعود، بل تعداه إلى منطقتي الجبيب شمالي مدينة العين وسهل المدام جنوبي مدينة الذيد في الشارقة وأماكن أخرى من الإمارات، ففي منطقة الجبيب قامت شركة الحفر الوطنية بالإبلاغ عن آثار قديمة كان مهندسوها لاحظوا وجودها هناك، وأثبتت التنقيبات الأولية التي قامت بها إدارة الآثار والسياحة في العين في تلك المنطقة وكانت تحت إشرافي وجود فلج قديم فيها.
أما الفلج الآخر والذي اكتشف من قبل بعثة الآثار الفرنسية في سهل المدام في الشارقة فهو فلج أم صفاة، وتفترض البعثة أن هذا الفلج يعود في تاريخه إلى العصر الحديدي، ومن جهتنا فإننا مقتنعون تماماً بأن بقايا القرى الكثيرة التي تعود إلى العصر الحديدي، ما كانت لتقوم لولا وجود أفلاج من ذلك العصر في سهل المدام، وإضافة إلى الشواهد الأثرية غير المباشرة، فإن سهل المدام يشبه من حيث طبوغرافيته ومياهه الجوفية سهل الهيلي، حيث يوجد أقدم فلج معروف حتى الآن.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن البحوث والدراسات التي أجريت في سهل المدام في مجال دراسة الأفلاج القديمة والمياه الجوفية لا تزال قليلة، إذا إن هذه المنطقة بحاجة إلى المزيد من أعمال المسح والتحري التي يمكن أن تؤدي إلى اكتشاف المزيد من الأدلة على وجود أفلاج قديمة أخرى معاصرة لتلك التي ترجع إلى العصر الحديدي.
الأصل العربي
تثبيتاً لحقيقة الأصل العربي لنظام الفلج، يقول د. وليد ياسين: الدليل على عروبة الفلج، والذي تم التوصل إليه من خلال اكتشاف وتنقيب موقع هيلي 15، تعزز مرة أخرى من خلال اكتشاف عدد آخر من الأفلاج التي ترجع إلى العصر الحديدي في منطقة بنت سعود ومناطق أخرى في الإمارات، حيث كشفت التحريات التي جرت قبل ثلاثة عقود في منطقة بدع بنت سعود من قبل البعثة الدنمركية، وبمشاركتي من جهة إدارة الآثار والسياحة في العين، كل على انفراد، عن وجود مقابر جماعية مبنية فوق الأرض، تبين أن معظمها يعود إلى العصر الحديدي، مع اكتشاف بعض المقتنيات الأثرية التي تعود إلى حقبة الألف الثاني قبل الميلاد، واعتمد سكان منطقة بدع بنت سعود على نظام الفلج في حياتهم اليومية وري مزروعاتهم.
*المصدر: جريدة الخليج، ملحق "علوم وبيئة".
..
..
الأفلاج إعجاز قديم جديد .