استعادة غسان كنفاني

ابراهيم اليوسف

* دار الخليج




رغم توزع الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني (1936-1972) بين أكثر من حقل إبداعي، ومعرفي، وإعلامي، إلا أنه استطاع أن ينجز خلال الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها، بل والسنوات التسع مشروعه الكتابي، إلى جانب انشغاله بأسباب تأمين اللقمة، سواء أكان في عمله كمدرس في الكويت، أو في الحقلين الإعلامي، أو البحثي في لبنان، فقد قدم في مجال السرد الفلسطيني مجموعة من الأعمال الأكثر أهمية، انطلاقاً من الموضوعات التي تناولها، في كل من قصصه ورواياته ومسرحياته، ناهيك عن دراساته، ومقالاته وبحوثه، وإسهاماته في عالم المقال أو حتى البحث .

استطاعت أعمال كنفاني رصد لحظة جد خطيرة، وحساسة، في تاريخ إنسانه، سواء أكان في الوطن، أو في الشتات، عبر وعي ورؤية متقدمين، ما جعله إحدى العلامات في السرد الفلسطيني، ولقد كان منتظراً منه أن يعطي- أكثر- لولا تعرضه للاغتيال من قبل الموساد "الإسرائيلي"، في محاولة لإطفاء صوت كاتب يرافع عن أهله، وترابه، في وجه المحتل .

ولعل رواية "رجال في الشمس" والتي تحولت إلى فيلم سينمائي، ولها قوة تأثيرها، لأنها لاتتوقف عند اللحظة الكارثية لوفاة ثلاثة فلسطينيين، يغامرون لتحقيق حلمهم، والسفر إلى الكويت، بوساطة صهريج مهربهم أبي خزيران، الجشع، وفاقد الرجولة، بعد أن يحشرهم في صهريج مغلق، على ألا يتوقف -كما العادة- أكثر من بضع دقائق، إلا أن ممازحة موظف الجمارك، مع السائق أكثر من نصف ساعة أدت إلى وفاتهم، ما جعله رهن أحاسيس متناقضة، وهي رمي جثثهم قرب مكب قمامة، للتبرؤ من الجريمة، وسرقة ما يملكونه من مال، ومقتنيات، إضافة إلى نوبة الألم عندما يصرخ: لماذا لم تدقوا على الصهريج؟ لماذا؟ لماذا؟ .

أجل، مات هؤلاء، وهم يبحثون عن حلول فردية لأنفسهم، بيد أن أبا خيزران لما يزل حياً، ومازال أبناؤه، وأحفاده، يواصلون المهمة، بأعلى وتائرها، ليس عبر الصحراوات التي يبتلع جهنمها أرواح ضحاياهم، بل وعبر المفازات، والأدغال، والمتاهات، والبحار، بعد أن تطورت تجارتهم، وباتت حاجة المهجرين، الفارين من الموت في أوطانهم، تجعلهم يقعون في أيدي متخصصين، منظمين، اكتسبوا مهارات جديدة في مجال الاستفادة من "الحروب" و"الكوارث" بعد وقوعها، لاسيما أن الأمر يصل لدى أبعاضهم إلى مرحلة إغراق سفينة كاملة من هؤلاء الضحايا الأبرياء، ومن بينهم أسر كاملة، للظفر بالأموال التي تقاضوها منهم، جراء ادعاء نقلهم بأمان - إلى مغارب الأرض، وتحقيق أحلامهم في الخلاص، والاستقرار، ناهيك بإقدام هؤلاء اللصوص القتلة على السطو، للظفر بآخر ما في جيوب ضحاياهم، من مال، وما بحوزتهم من مقتنيات، لتكون هناك روايات "رجال في البحر" أو "الأدغال" أو "المتاهات" أو "المفازات" أو "الجحيم"، وغير ذلك مما هو ممكن الكتابة عنه ضمن حدود هذه الكارثة العظمى .