|
|
أمبرتو إيكو روائي “شاب” يؤسس لسلطة الأدب
يلعب أمبرتو إيكو في كتابه الأخير "اعترافات روائي ناشئ" على ذلك الخط الوهمي بين الواقع والخيال، مبدعاً بذلك عالمه الخاص الذي يؤرقنا ويدفعنا إلى الإمتاع كثيراً وإلى التأمل والتفكير أحياناً، متسائلين: ما الذي يريده صاحب "اسم الوردة"؟
يسألنا إيكو ببساطة متناهية: من منا يشك في انتحار آنا كارنينا في نهاية رواية تولستوي الشهيرة؟ في مقابل الآلاف من البشر الذين تعتريهم شكوك قوية في ما يتعلق بمصير هتلر، هل قتل أم خطف أم انتحر؟ هي الحقيقة الأدبية "الحقيقية" في مقابل زيف الواقع أو التاريخ الرسمي المدون، ويدعم إيكو اطروحته بنماذج واحصاءات "علمية"، معتمداً على منطق المخالفة، فخمس الطلبة البريطانيين يعتقدون أن تشرشل شخصية خيالية ونسبة موزونة منهم تؤمن أن شرلوك هولمز كان يطارد المجرمين يوما ما في شوارع لندن، هي الحقيقة الأدبية التي تجعل الملايين من السائحين يزورون قصر إيف ويحاولون استرجاع لحظات بطل ألكسندر دوماس في "الكونت دي مونت كريستو"، هم يشعرون أن أحداث الرواية وقعت بالفعل في ذلك القصر .
إن كاتب "بندول فوكو" لا يتوقف أمام ذلك الجدل الفارغ الذي دار لسنوات ولا يزال يطرح بملل حول علاقة الأدب بالتاريخ، ولاحقاً علاقة الصورة بذلك التاريخ الذي يلهث الجميع في ردهاته، ولا يلتفت إلى مكونات الصورة الذهنية التي يشكلها الأدب بدأب وبطء حول مكان أو موضوع أو شخصية ما، وانما ما يعنيه هو سلطة الأدب من دون أدلجة ممجوجة، هو يفكر في الأدب كمدار مفتوح على أبعاد مغايرة، نقرأ له وكأنه يستحضر روح بورخيس عندما كان يلامس الأدب بروح كونية، يعيد إلى كل الروائيين والشعراء الذين تلبستهم تهمة "جنون" تجاوز الواقع أو استشراف المقبل اعتبارهم، عندما استعار القليل منهم عيون زرقاء اليمامة "الأسطورة" وضحك عليهم من يدعّون معرفتهم ب "حقيقة" الواقع، لتأتي الأحداث اللاحقة التي تنبهوا لها مبكراً أكثر كابوسية من "الأسطورة" و"الواقع" معا، نموذج 1984 في تحليلها لمجتمع الأخ الأكبر الذي تتعدد أشكاله بين شيوعية قامعة وآليات مراقبة فائقة الحداثة في المجتمعات الرأسمالية .
هي سلطة الأدب المطلقة، فالمؤرخ يبحث عن أشباح والروائي يصنع شخصياته من لحم ودم، يمتد إيكو بسلطة الأدب إلى آفاق أكثر استبدادية، فنحن قد نشكك في الكثير من الحقائق المحيطة بنا وربما يرفض بعضنا إيدلوجيات البعض الآخر، "شخصيات الأنجيل عند البوذي تخيلية" والعكس صحيح، ولكن الأدب ليس على هذا النحو إنه يمتد بظلاله حتى خارج النص، مفارقا لدائرة القراء "استطاع ديدون وميدي ودون كيشوت . . . إلخ"، أن يعيشوا خارج الكتاب بحيث يمكن للكثيرين إصدار أحكام حقيقية حولهم وهم لا يعرفون مخترعي تلك الشخصيات .
وبرغم ما يحيط بنا من مآس وكوارث وحروب فنحن لا نبدي تأثراً مماثلاً عندما تنسال دموعنا ونحن نقرأ آنا كارنينا، لا تدفعنا مشاهد القتل والترويع اليومية إلا إلى الالتفاف قليلا ولكن لم ينتحر أحدهم كما فعل الشباب بعد قراءة رواية "آلام فيرتر"، هو الحفر المعرفي الذي يكشفنا ويضعنا أمام أنفسنا برغم استمتاعنا بأفكار إيكو: "كثير من الناس لا يحزنون إلا قليلاً عندما يعرفون أن على الأرض الملايين من البشر الواقعيين، ومنهم الكثير من الأطفال الذين يموتون جوعا ويعانون سوء التغذية، ولكنهم يحزنون كثيرا لموت آنا كارنينا، لماذا نقتسم أحزان شخص نعرف أنه لم يوجد أبداً؟" .
إيكو في كتابه يتبع حسه الأخلاقي بعيدا عن أي تصنيف، لا هدف إلا سلطة الأدب، والتي تتأسس على رفضه لما ردده ما بعد الحداثيين كثيراً "لا وجود لوقائع بل تأويلات"، فللأدب واقعيته شديدة الخصوصية، فالكاتب بعد محاججات إيكو يؤثر بقوة، بل هو يمارس استبداده أحيانا، وهنا لا كتابة للذات، يصف إيكو من يردد ذلك ب"الكاتب الرديء"، فما نكتبه لأنفسنا ونستطيع أن نلقي به أرضا بعد قليل يقتصر على لائحة مشترياتنا وحسب .
أسئلة إيكو وملاحظاته بسيطة وواضحة، ولكنها لم تستوقف إلا ذلك الذي يؤكد أنه برغم تخطيه الثمانين فإنه لا يزال روائياً مبتدئاً، شاباً، يفكر في كيفية قراءة الأدب وما يثيره فيناً من أحاسيس وانفعالات، وما يطرحه من أفكار، عوالم إيكو المتخيلة أكثر واقعية من عالمنا المعاش، عوالم لا سلطة فيها إلا للأدب، وهي سلطة أخلاقية أيضاً، يبدأها المؤلف بسرد محاولاته في الإبداع والتي لم تكتمل إلا في عام 1980 مع "اسم الوردة" وهو يناهز الثامنة والأربعين .